الأحد، 28 فبراير 2010

منهج القرآن في التعريف بالله

لقد أفاض سيد قطب – رحمه الله – في كتابه مقومات التصور الإسلامي في بيان منهج القرآن في التعريف بالله، وتحويل هذه المعرفة إلى إيمان حي يدفع للسلوك القويم فكان مما قاله :

" والمنهج القرآني يزحم الشعور الإنساني بحقيقة الألوهية، ويأخذ على النفس أقطارها جميعا بهذه الحقيقة وهو يتحدث عن ذات الله – سبحانه – وصفاته، وآثار قدرته وإبداعه، فتتمثل في الضمير البشري تلك الحقيقة.. حقيقة الذات الخالقة لكل شيء، المالكة لكل شيء، المحيطة بكل شيء، المهيمنة على كل شيء، المدبرة لكل شيء، المؤثرة في كل شيء، وتشغل مشاعر الإنسان وحسه، وضميره وعقله وكيانه كله بهذه الحقيقة وخصائصها، وقدرتها وقوتها، ورحمتها ورعايتها، وجلالها ومهابتها، وأنسها وقربها، وإحاطتها بالكون والناس في كل وضع وفي كل حال، بحيث تستشعر النفس – كما هو الأمر في الواقع – أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن ليس مهرب منه ولا فوت، وأن ليس سواه عون ولا سند، وأن ليس هناك وجود لشيء – قائم بذاته – إلا ذات الله سبحانه، القوامة على جميع الخلائق الفانية.
وهذا هو الشعور القوي الغامر الحي الذي يخرج به الإنسان من قراءة القرآن الكريم..

منهج فريد :
والمنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية منهج فريد..إنه يوقع على أوتار النفس البشرية جميعها، ويدخل عليها من منافذها كلها، يوقع على أوتار الخوف والحذر والرجاء والطمأنينة، وعلى أوتار المهابة والجلال والأنس والود، وعلى أوتار القهر والجبروت والرأفة والرحمة، وعلى أوتار النقمة والعذاب والنعمة والعطاء، وعلى أوتار المغايرة الكاملة بين الألوهية والعبودية مع الأنس، والقرب بين الله وعباده، ويخاطب وجدان الجمال بما في الكون والنفس من ألوان وأطياف، كما يخاطب وجدان المجهول بالغيب وما وراء الأستار من قدر الله(
[1]).

القرآن وشهادة التوحيد:
"..ولقد جلى القرآن للناس حقيقة الألوهية من خلال آثار فاعليتها المتجلية في الكون والحياة المصرفة لأقدار العباد، وعرض لهم من هذه الآثار في الأنفس والآفاق ما يملأ الكينونة البشرية بالإجلال والحب، وبالخشية والتقوى، وبالرجاء والثقة، وبالأنس والقرب، وبالحذر واليقظة، وبالشعور الدائم بوجود الله – سبحانه – وحضوره، بحيث لا يملك القلب المؤمن أن ينسى، أو أن يغفل عن ذلك الوجود وعن هذا الحضور لحظة في أي وضع وفي أي حال.

وشهادة أن لا إله إلا الله..تتطلب أن يصل الإحساس بوجود الله – سبحانه – ووحدانيته حد اليقين الناشئ من مثل الرؤية والمشاهدة، فهي رؤية ومشاهدة لهذه الحقيقة بآثارها في أغوار النفس المكنونة، وفي صفحات الكون المنشورة..رؤية واضحة ومشاهدة مستيقنة، تقوم عليها شهادة(
[2])".
الدليل الذي يدلنا على الله ويعرفنا به سبحانه هو القرآن . إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ( [الإسراء:9].
فالرغبة والحرص هما مفتاح الإنتفاع بالقرآن، ومفتاح لكل خير..ألم يقل سبحانه: ) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ( [التكوير:27، 28].
[1] مقومات التصور الإسلامي ص (190 - 191) .

[2] مقومات التصور الإسلامي ص (192) .

ليست هناك تعليقات: