الأربعاء، 14 مارس 2012

سورة مريم

هدف السورة: أهمية توريث الدين للأجيال القادمة

يحب الله تعالى من عباده أن يستعملوا نعمته في طاعته ، والأولاد من هذه النعم .

تمتاز السورة الكريمة بجو المناجاة والذكر والتسبيح والرضا والبر والقرب .

تلاحظ ذلك في مناجاة زكريا وعبادة مريم , ودعاء إبراهيم ونداء الله سبحانه لموسى {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً }مريم52 .

والله عز وجل يعلم صدق دعائهم ومناجاتهم وهدفهم ؛ فاستجاب لهم ، فوهب لإبراهيم : إسماعيل وإسحق ويعقوب وذرية يعقوب ، ووهب لزكريا يحي ، ووهب لمريم عيسى عليهم صلوات الله وسلامه .

والأمر لا يقف على توريث الدعوة للذرية من بعدهم بل للأصول والأزواج أيضا فإبراهيم يعظ أباه ويدعوه إلى الله ، وإسماعيل يأمر أهله بالصلاة والزكاة ؛ لأن المؤمن لا يطيق أن يعبد غير الله في هذا الوجود ، وهذا دأب المؤمن ، وإذا كان الجو في السورة الكريمة يركز على الذرية ؛ فذلك لضمان استمرار رسالة التوحيد ، كي ترث الذرية الرسالة وتقوم بواجبها للأجيال من بعدها ، وهكذا يكون إخلاص الداعي لله رب العالمين .

والبر من الأبناء للآباء هو ثمرة التربية الصالحة ، فهم خلَف صالح ، أما الذين لم يتربوا في هذه البيئة الصالحة فهم خلْف طالح أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، والصلاة روح الدين وكأنهم بتركهم للصلاة قد نبذوا الدين بالكلية .

واتباع الشهوات أمر منطقي لنفوس لم تترب على ألوان الطاعات وأصناف القربات .

كما ظهر هذا البر في معاملة إبراهيم لأبيه رغم أنه مشرك !

التعقيب: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) آية 58 .

وهذا درس للأجيال القادمة ، فمن أراد أن يلحق بهؤلاء الذين أنعم الله عليهم فليدع الناس إلى الله ويخص بالدعوة ورثته وأولاده ليحملوا هذه الدعوة من بعده ، بحيث تكون قضيتهم ، إما أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها ، حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله .

ومن لم يورث دعوة الله إلى أولاده ويقف في توريثه على ما يؤكل ويشرب ويتمتع به مما هو زائل من حطام الدنيا ، فقد تنكب الطريق ، وترك ذرية غير صالحة لا تنفع أنفسها ولا تنفع غيرها ولا المجتمع من حولها ولا يعود نفع منها على الآباء في حياتهم ولا بعد مماتهم .

ومن سياق الآيات - في أكثر من نصف السورة - كان الحديث عن الولد والذرية فجاء الأسلوب رقيقا بفواصل عذبة حانية عطوفة .

وفي آخر السورة جاءت الآيات تنفي حاجة الله للولد ، وترد على من يدعي ذلك ؛ فأتى الرد شديدا مرعبا ليناسب الكذب والادعاء على الله ، وبالحروف الانفجارية المشددة (مدا – ضدا - إدا –– هدا - عدا ) .

وعلى طريقة القرآن الكريم يأتي الرد مختصرا مفيدا يلجم كل ناعق ، ويسكت كل مجادل :

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) .

ومع أن السورة قد اشتملت على من نسب لله ولدا – تعالى الله عن ذلك – ومن قال لأوتين مالا وولدا ، (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ) ، إلا أنها من أكثر سورة القرآن التي ورد فيها الاسم العظيم { الرحمن } فقد ورد ست عشرة مرة !!

فلولا أنه ( الرحمن ) لهد الكون بأرضه وسمائه فوق رءوسهم .

كما أنه { الرحمن } يرحم من رجع إليه وتاب ، ويقبل من أسلم وأناب .

وفي سورة المائدة تفسير لهذا السياق :

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{72} لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{73} أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{74} .

فعلى الرغم من التهديد الرهيب في الآيتين الأوليين إلا أن الآية الأخيرة فتحت باب التوبة والمغفرة لكل من تاب ، مع أنهم كفروا وأشركوا وادعوا لله ولدا !!

وسميت السورة بـ (مريم) تخليداً لمعجزة خلق إنسان بلا أب ، وذلك لتكتمل جوانب القدرة فآدم من غير أب ولا أم بعكس ذريته فكلهم من أب وأم ، وحواء من أب بلا أم وعيسى من أم بلا أب .

وليس الموجه للأولاد والذرية ، الرجال فقط بل النساء أيضا فإن لهن دورا كذلك ، ودليله قصة مريم وعيسى عليهما السلام ، فهي ورثت الدعوة من أسرة كريمة وورثتها لنبي ورسول كريم من أولي العزم .

وقد ضرب الله بها المثل للمؤمنين في مواضع أخرى من القرآن الكريم كما في سورة التحريم ، وكذلك في سورة الأنبياء والمؤمنون وغيرها .

وفي هذا إشارة إلى الدور الكبير للأم في التربية والتوجيه للأسرة والمجتمع .

وإذا كانت هناك سورة باسم النساء بالجملة فتلك سورة لتكريم المرأة في شخص ( مريم ) تكريما لهذه العابدة الموحدة التي صارت مضرب المثل للعالمين .

وإنه لشرف كبير للنساء أن تسمى سورة باسم امرأة ، وذلك يبرز مكانة المرأة في الإسلام ويبرز اهتمام الوحي بها .

فأين دور المرأة المسلمة اليوم ؟ .

ولماذا لا يكون اهتمام النساء في عصرنا بتوريث الدين والقيم والأخلاق ، وليس بمجرد توريث حطام الدنيا الزائل ؟.

وهذا تنبيه للنساء لتغير اهتماماتهن الشخصية من طلب الزينة والمظهر الأجوف إلى الطاعة والعبادة والمناجاة والدعاء ، ومن طريقة التربية للأولاد من مجرد إطعامهم وسد جوعتهم ، وإشباع رغبتهم وزينتهم ليكون لهم دور فاعل في إصلاح المجتمع وتوجيهه وبذلك تسهم في صناعة الأجيال التي هي مستقبل الأمة وأملها المنتظر .

ليست هناك تعليقات: