الاثنين، 11 فبراير 2013

قراءة في سورة آل عمران :



بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
يدور موضوع السورة عن الثبات والصبر :
الثبات على الإسلام والتوحيد ، وتفنيد حجج أهل الكتاب وخاصة النصارى وغيرهم من الكافرين .
الثبات الدائم والمصابرة والمرابطة في المحن والنعم على السواء والثبات والصبر في مواجهة أعداء الأمة . 
 حول تسمية السورة :  لعل ذكر آل عمران  وثباتهم على الطاعة يعد طرفا من أسرار تسمية هذه السورة الكريمة .
وذكر النساء فيها يعد تمهيدًا لذكرهن في السورة التي تحمل اسمهن .
وتنقسم السورة إلى قسمين اثنين في الغالب  :
القسم الأول من بداية السورة حتى أكثر من نصفها - هذه الآيات تدلنا على كيفية الثبات في مواجهة الأفكار التي ينشرها ويبثها أهل الكتاب والمشركون ، وعن طبيعة الصراع الدائم والمستمر بين هذا المعسكر وبين المجتمع المسلم , ومن هذا الصراع يتبين أنهم لم يفتروا مرة ولم يتوانوا عن المكر والكيد للمسلمين .
القسم الثاني (ويشمل بقية السورة) وفيها شرح لكيفية الثبات وضرورته داخل الصف المسلم .
وتم ذلك من خلال حادثتين اثنتين هما : وفد نصارى نجران ( في العام التاسع الهجري ) ، وغزوة أحد ( في العام الثالث الهجري ) .
وقد يسأل سائل : إن غزوة أحد حدثت أولا فلماذا تأخر ذكرها في السورة ؟ .
ولعل الإجابة القريبة إلى الذهن تشير إلى أهمية تحقيق الثبات من المخاطر الخارجية أولا ثم يليها في الأهمية الثبات الداخلي للمجتمع المسلم وكلاهما يهدف إلى تحصين جماعة المسلمين .
وفي مناقشة أهل الكتاب جاء الأسلوب واضحا مفهوما يتصف بالإنصاف :
 فذكرت الآيات الكريمة صنفين من أهل الكتاب :
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }آل عمران75 .
وهذا منتهى العدل مع المجادل والإنصاف مع المخالف .  وذكرت أيضًا :
{لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ , وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } آل عمران113- 114 – 115     .
وفي الانتساب إلى إبراهيم توضح الآيات الصورة وتفك عقدة المسألة فليست الصلة بالنسب ولكن باتباع ملة التوحيد ومنهج الإسلام :
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران68.
فعهد الله لا ينال الظالمين ولا يدرك المنحرفين ولو كانوا من ذرية إبراهيم .
وانظر ماذا قالت آيات سورة البقرة :
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }البقرة124.
والآيات تحذر المسلمين من أهل الكتاب وتتدرج في الحديث عنهم وفي الجدال معهم حتى تصل إلى المباهلة .
ولذلك تأتي الآيات واضحة مخاطبة مجتمع المسلمين تجلي لهم هذا الأمر :
{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ }آل عمران19.
وتأتي هذه الآية حاسمة :
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85 .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران102 .
والله عز وجل لا يترك المؤمنين – وحدهم - يقابلون هذا الكيد وذاك المكر ، ولكن يحذرهم من فتن أهل الكتاب ؛ لأن مبتغاهم – في النهاية – أن يعود المسلمون عن إيمانهم ويرتدوا عن دينهم :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ }آل عمران100
ويدعوهم إلى الاعتصام بكتابهم وربهم والثبات على دينهم حتى الممات :
{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}آل عمران101- 102- 103.
وجاء في مقدمة السورة : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }آل عمران8 .
وبينت السورة الكريمة أسلوب أهل الكتاب والمشركين مع المؤمنين :
إطلاق الشبهات في العقيدة ، إيذاء المؤمنين ، إعلان القتال .
{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ }آل عمران186 .
ولكن الله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً ، وإذا تقابل المعسكران فالنتيجة في النهاية لصالح المؤمنين :
{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }آل عمران .
تعقيب السورة على غزوة أحد :
عقب غزوة بدر جاءت آيات سورة الأنفال بالعتاب لغاية نصف السورة تقريبًا ، وهي الغزوة التي انتصر فيها المسلمون ؛ وذلك بسبب تنازعهم على الغنائم ، وحتى لا يأخذهم العجب بالنصر ولا يلهيهم الظفر عن مسبب النصر .
أما بعد غزوة أحد فجاء التلطف مع المسلمين للتخفيف من وقع الهزيمة على نفوسهم ، مع التربيت على ظهورهم ، والمسح على رءوسهم ، والعفو عن زلاتهم ، مع الثناء على صدق إيمانهم ، وإبراز ثباتهم وضرب الأمثلة من الأمم الخالية من إخوانهم المؤمنين .
{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } آل عمران139- 140 .
(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) آية 146
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) آية 173 – 174 .
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 200 .
كما تهون الآيات من شأن الكافرين ؛ فلا ينبغي للمؤمنين أن يقفوا كثيرا عند تغلبهم بعض الوقت ، وهذا لون من ألوان التثبيت :
{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ }آل عمران12
{لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ }آل عمران196- 197 .
كما لا ينبغي للمؤمنين أن يقفوا عند متاع الدنيا الفاني وينشغلوا به عن النعيم الباقي والخلود المقيم حتى لا تنزلق أقدامهم ويقعوا في حفرة الشهوات حينئذٍ قد لا  يستطيعون النهوض مرة أخرى .
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }آل عمران15 -14.
وقد ذكرت الآيات الكريمة أسباب الهزيمة :
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران152 .
قال ابن كثير رحمه الله :
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ } أي: أول النهار { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي: تقتلونهم  { بِإِذْنِهِ } أي: بتسليطه إياكم عليهم { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ } قال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن، { وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ } كما وقع للرماة { مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ } وهو الظفر منهم { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا } وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } أي: غفر لكم ذلك الصَّنِيع .
قال ابن جريج: قوله: { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } قال: لم يستأصلكم. وكذا قال محمد بن إسحاق.اهـ  
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }آل عمران155
وتكاد تتخيل الشيطان وهو يضع كلتا قدميه ليجعل الأقدام تزل وتنزلق , وما كان له أن يفعل ذلك إلا ببعض ما كسبوا من مخالفات .
ولكن الله  عفا عنهم .
وقد حدث ما حدث بإذن الله وإرادته وعلمه ؛ ليعلم المؤمنين ذوي الإيمان الحقيقي :
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران166.
ومن هنا نعلم متى يتسلط الشيطان على الإنسان ، وحينئذ لا يكون الخلاص منه إلا باللجوء إلى الله لينجيه من الزلل وعواقبه .
ويقول صاحب الظلال - رحمه الله- معقبًا على آخر آية في السورة :
وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وفي مقابل ذلك لا تستغني عن المرابطة للجهاد ، حيثما كانت إلى آخر الزمان!
إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي . منهج يتحكم في ضمائرهم ، كما يتحكم في أموالهم ، كما يتحكم في نظام حياتهم ومعايشهم . منهج خير عادل مستقيم . ولكن الشر لا يستريح للمنهج الخير العادل المستقيم؛ والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة؛ والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة . . ومن ثم ينهد ( ينهض ويتطاول ويصمد ) لهذه الدعوة أعداء من أصحاب الشر والباطل والطغيان . ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الاستنفاع والاستغلال . وينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان والاستكبار . وينهد لحربها المستهترون المنحلون ، لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال والشهوات . . ولا بد من مجاهدتهم جميعاً . ولا بد من الصبر والمصابرة . ولا بد من المرابطة والحراسة . كي لا تؤخذ الأمة المسلمة على غرة من أعدائها الطبيعيين ، الدائمين في كل أرض وفي كل جيل . .
هذه طبيعة هذه الدعوة ، وهذا طريقها . . إنها لا تريد أن تعتدي ؛ ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم . . وهي واجدة أبداً من يكره ذلك المنهج وهذا النظام . ومن يقف في طريقها بالقوة والكيد . ومن يتربص بها الدوائر . ومن يحاربها باليد والقلب واللسان . . ولا بد لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها ، ولا بد لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظة ولا تنام!!
والتقوى . . التقوى تصاحب هذا كله . فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل؛ ويحرسه أن يضعف؛ ويحرسه أن يعتدي؛ ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك .
ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ ، إلا من يعاني مشاق هذا الطريق؛ ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتى الحالات وشتى اللحظات . .
إنه الإيقاع الأخير في السورة التي حوت ذلك الحشد من الإيقاعات . وهو جماعها كلها ، وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها . . ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل وينوط بها الفلاح في هذا المضمار :
{ لعلكم تفلحون }  صدق الله العظيم .                                     
   وعلى الله قصد السبيل .

الجمعة، 25 يناير 2013

التصور الإسلامي والثقافة / من كتاب معالم في الطريق للشهيد سيد قطب



العبودية المطلقة لله وحده هي الشطر الأول لركن الإسلام الأول، فهي المدلول المطابق لشهادة أن لا اله إلا الله، والتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشطر الثاني لهذا الركن، فهو المدلول المطابق لشهادة أن محمداً رسول الله -كما جاء في هذا الفصل: لا اله إلا الله منهج حياة..
والعبودية المطلقة لله وحده تتمثل في اتخاذ الله وحده إلهاً.. عقيدة وعبادة وشريعة.. فلا يعتقد المسلم أن الألوهية تكون لأحد غير الله- سبحانه- ولا يعتقد أن العبادة تكون لغيره من خلقه، ولا يعتقد أن الحاكمية تكون لأحد من عباده.. كما جاء في ذلك الفصل أيضاً.
ولقد أوضحنا هناك مدلول العبودية والاعتقاد والشعائر والحاكمية، وفي هذا الفصل نوضح مدلول الحاكمية وعلاقته بالثقافة.
إن مدلول الحاكمية في التصور الإسلامي لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده. والتحاكم إليها وحدها . والحكم بها دون سواها .. أن مدلول الشريعة في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية، ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه. إن هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول الشريعة والتصور الإسلامي!
إن شريعة الله تعني ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية.. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضاً.
يتمثل في الاعتقاد والتصور -بكل مقومات هذا التصور- تصور حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، وغيبه وشهوده، وحقيقة الحياة، غيبها وشهودها، وحقيقة الإنسان، والارتباطات بين هذه الحقائق كلها، وتعامل الإنسان معها.
ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده.
ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع . وهو ما يطلق عليه اسم الشريعة غالباً بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلولها في التصور الإسلامي .
ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك، في القيم والموازين التي تسود المجتمع، ويقوم بها الأشخاص والأشياء والأحداث في الحياة الاجتماعية.
ثم.. يتمثل في المعرفة بكل جوانبها، وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة.
وفي هذا كله لابد من التلقي عن الله، كالتلقي في الأحكام الشرعية- بمدلولها الضيق المتدأول- سواء بسواء..
والأمر في الحاكمية -في مدلولها المختص بالحكم والقانون-قد يكون الان مفهوماً بعد الذي سقناه بشأنه من تقريرات.
والأمر في قواعد الأخلاق والسلوك، وفي القيم والموازين التي تسود المجتمع، قد يكون مفهوماً كذلك إلى حد ما! إذ إن القيم والموازين وقواعد الأخلاق والسلوك التي تسود في مجتمع ما ترجع مباشرة إلى التصور الاعتقادي السائد في هذا المجتمع، وتتلقى من ذات المصدر الذي تتلقى منه حقائق العقيدة التي يتكيف بها ذلك التصور.
أما الأمر الذي قد يكون غريباً- حتى على قراء مثل هذه البحوث الإسلامية!- فهو الرجوع في شأن النشاط الفكري والفني إلى التصور الإسلامي والى مصدره الرباني.
وفي النشاط الفني صدر كتاب كامل يتضمن بيان هذه القضية باعتبار ان النشاط الفني كله، وهو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته، وعن صور الوجود والحياة في نفس إنسانية.. وهذه كلها يحكمها -بل ينشئها- في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة، وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة! وبتصورها خاصة لحقيقة هذا الإنسان، ومركزه في الكون، وغاية وجوده، ووظيفته، وقيم حياته..وكلها متضمنة في التصور الاسلامي، الذي ليس هو مجرد تصور فكري. إنما هو تصور اعتقادي حي موح مؤثر فعال دافع مسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني.
فأما قضية النشاط الفكري، وضرورة رد هذا النشاط إلى التصور الإسلامي ومصدره الرباني، تحقيقاً للعبودية الكاملة لله وحده، فهذه هي القضية التي تقتضي منا بياناً كاملاً لأنها قد تكون بالقياس إلى قرَاء هذا البيان -حتى المسلمين منهم الذين يرون حتمية رد الحاكمية والتشريع لله وحده- غريبة أو غير مطروقة!
 
***
إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة، أو التصور العام للوجود، أو يختص بالعبادة، أو يختص بالخلق والسلوك، والقيم الموازين، أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة التاريخ الإنساني.. إلا من ذلك المصدر الرباني، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه، ومزأولته لعقيدته في واقع الحياة.
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة، كالكيمياء، والطبيعة، والأحياء، والفلك، والطب، والصناعة، والزراعة، وطرق الإدارة - من الناحية الفنية الإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية، وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني- إلى آخر ما يشبه هذا النشاط.. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم.. وان كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم، ان يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها، باعتبارها فروض كفاية، يجب أن يتخصص فيها أفراد منه. وإلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفايات، ولم يوفر لها الجو الذي تتكون فيه وتعيش وتعمل وتنتج.. ولكن الى ان يتحقق هذا فان للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم، وان ينتفع فيها بجهد المسلم وغير المسلم، وان يشغل فيها المسلم وغير المسلم.. لأنها من الأمور الداخلة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتم اعلم بأمور دنياكم.. وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن الحياة والكون ، وغاية وجوده، وحقيقة وظيفته، ونوع ارتباطاته بالوجود من حوله، بخالق الوجود كله، ولا تتعلق بالمبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم حياته أفراداً وجماعات، ولا تتعلق بالأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التي تسود مجتمعه وتؤلف ملامح هذا المجتمع.. ومن ثم فلا خطر فيها من زيغ عقيدته، أو ارتداده إلى الجاهلية!
فأما ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفراداً أو مجتمعات، وهو التعلق بالنظرة إلى نفس الإنسان والى حركة تاريخه وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون، ونشأة الحياة، ونشأة هذا الإنسان ذاته- من ناحية ما وراء الطبيعة - (وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وطب.. الخ) فالشان فيه، شان الشرائع القانونية والمبادئ والأصول التي تنظم حياته ونشاطه، مرتبط بالعقيدة ارتباطاً مباشراً، فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم، يثق في دينه وتقواه، ويعلم عنه انه يتلقى في هذا كله عن الله.. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بعقيدته، وان يعلم أن هذا مقتضى عبوديته لله وحده، أو مقتضى شهادته: أن لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله.
انه قد يَطَّلِع على كل آثار النشاط الجاهلي. ولكن لا لِيًكِّون منه تصوره ومعرفته في هذه الشؤون كلها، إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية! وليعرف كيف يصحح ويقوَم هذه الانحرافات البشرية، بردها إلى أصولها الصحيحة في مقومات التصور الإسلامي، وحقائق العقيدة الإسلامية.
إن اتجاهات الفلسفة بجملتها، واتجاهات تفسير التاريخ الإنساني بجملتها، واتجاهات علم النفس بجملتها -عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها- ومباحث الأخلاق بجملتها، واتجاهات التفسيرات والمذاهب الاجتماعية بجملتها - فيما عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة، لا النتائج العامة المستخلصة منها ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها -.. إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي - أي غير الإسلامي- قديماً وحديثاً، متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات اعتقادية جاهلية، وقائمة على هذه التصورات، ومعظمها -ان لم يكن كلها- يتضمن في أصوله المنهجية عداءً ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي على وجه خاص!
والأمر في هذه الألوان من النشاط الفكري -والعلمي!- ليس كالأمر في علوم الكيمياء والطبيعة والفلك والأحياء والطب، وما إليها - ما دامت هذه في حدود التجربة الواقعية وتسجيل النتائج الواقعية، دون أن تجاوز هذه الحدود إلى التفسير الفلسفي في صورة من صوره، وذلك كتجاوز الداروينية مثلاً لمجال إثبات المشاهدات وترتيبها في علم الأحياء، إلى مجال القول - بغير دليل وبغير حاجة للقول كذلك إلا الرغبة والهوى- انه لا ضرورة لافتراض وجود قوة خارجة عن العالم الطبيعي لتفسير نشأة الحياة وتطورها.
إن لدى المسلم الكفاية من بيان ربه الصادق عن تلك الشؤون، وفي المستوى الذي تبدو فيه محأولات البشر في هذه المجالات هزيلة ومضحكة.. فضلاً عن أن الأمر يتعلق تعلقاً مباشراً بالعقيدة، وبالعبودية الكاملة لله وحده.
إن حكاية أن الثقافة تراث إنساني لا وطن له ولا جنس ولا دين.. هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية الميتافيزيقية لنتائج هذه العلوم، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً. ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد اليهود العالمية، التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك، بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور- لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم كله، وهو مسترخ مخدر، يزاول اليهود فيه نشاطهم الشيطاني، وفي أوله نشاطهم الربوي، الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية كلها، تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود!
ولكن الإسلام يعتبر أن هناك - فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية- نوعين اثنين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي، والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة.. قاعدة إقامة الفكر البشري إلهاً لا يرجع إلى الله في ميزانه. والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري الواقعي الإنساني، وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائماً.
ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي، الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة، لم ينشأ في أوروبا، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق، مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته، إلى الكون وطبيعته الواقعية، ومدخراته وأقواته.. ثم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج، واستمرت تنميه وترقيه، بينما ركد وترك نهائياً في العالم الإسلامي بسبب بعد هذا العالم تدريجياً عن الإسلام، بفعل عوامل بعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني… ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الاسلامية، وشردت به نهائياً بعيداً عن الله، في أثناء شرودها عن الكنيسة، التي كانت تستطيل على الناس -بغياً وعدواً باسم الله !
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته -شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع- شيئاً آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي. ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلاً للتصور الإسلامي.. ووجب على المسلم أن يرجع إلى مقومات تصوره وحدها، وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه، وإلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي، يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه.
إن حكاية فصل العلم عن صاحب العلم لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفهومات العقيدة المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني، والأوضاع، والقيم، والأخلاق، والعادات، وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان ونشاطه من هذه النواحي.
إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم عن غير المسلم، أو عن غير التقي من المسلمين، في علم الكيمياء البحتة، أو الطبيعة، أو الفلك، أو الطب، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الأعمال الإدارية والكتابية.. وأمثالها. وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلماً تقياً يأخذ عنه في هذا كله، كما هو واقع من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم، الناشئ من بعدهم عن دينهم ومنهجهم وعن التصور الإسلامي لمقتضيات الخلافة في الأرض -بإذن الله- وما يلزم لهذه الخلافة من هذه العلوم والخبرات والمهارات المختلفة.. ولكنه لا يتسامح في أن يتلقى أصول عقيدته، ولا مقومات تصوره، ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه، ولا مذهب مجتمعه، ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته، ولا موجبات فنه وأدبه وتعبيره… الخ، من مصادر غير إسلامية، ولا أن يتلقى عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه في شيء من هذا كله.
إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية.. ما هو من تخصصه وما هو من هواياته.. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره. فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ًضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم -وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك- وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره. فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها وعلى قزامتها… وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وأدائها كذلك!!! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي!!!
ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديه.. إن الأمر أكبر من أن يفتى فيه بالرأي.. إنه أثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأيه، إنما هو قول الله-سبحانه- وقول نبيه صلى الله عليه وسلم.. نحكمه في هذا الشان، ونرجع فيه إلى الله والرسول ، كما يرجع الذين آمنوا إلى الله والرسول فيما يختلفون فيه.
يقول الله-سبحانه- عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة:
 { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عند أنفسهم، من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير}… [البقرة: 109]
 {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل: إن هدى الله هو الهدى. ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا نصير}… [ البقرة: 120]
 { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}… [آل عمران: 100]
ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر -رضي الله عنهم:
لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وانه والله لو كان موسى حياً ما حل له أن يتبعني
وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على ذلك النحو القاطع الذي يقرره الله سبحانه، يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون عن نية طيبة في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، أو التاريخ الاسلامي، أو التوجيه في نظام المجتمع المسلم، أو في سياسته أو في اقتصاده، أو يقصدون إلى خير، أو إلى هدى، أو إلى نور… والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس -بعد تقرير الله سبحانه- إنما هم الغافلون!
كذلك يتحدد من قول الله سبحانه: {قل: إن هدى الله هو الهدى} .. المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون، فليس وراء هدى الله إلا الضلال، وليس في غيره هدى، كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص: قل: إن هدى الله هو الهدى… ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص، ولا إلى تأويله كذلك!
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا، وينص على أن مثل هذا لا يعلم إلا ظناً، والمسلم منهي عن اتباع الظن، وانه لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فهو لا يعلم علماً صحيحاً.
{ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى }. [ النجم: 29-30]
{ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون }.. [ الروم:7]

والذي يغفل عن ذكر الله، ولا يريد إلا الحياة الدنيا -وهو شأن جميع العلماء! اليوم- لا يعلم إلا هذا الظاهر، وليس هذا هو العلم الذي يثق المسلم في صاحبه فيتلقى عنه في كل شأنه، إنما يجوز أن يتلقى عنه في حدود علمه المادي البحت، ولا يتلقى منه تفسيراً ولا تأويلاً عاماً للحياة، أو النفس، أو متعلقاتها التصويرية.. كما انه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية وتثني عليه، كقوله تعلى:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليشهدوا بها في غير مواضعها؟ فهذا السؤال التقريري وارد في آية هذا نصها الكامل :
{ أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولو الألباب }.. [ الزمر: 9]

فهذا القانت آناء الليل ، ساجداً وقائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.. هو الذي يعلم.. وهذا هو العلم.. الذي تشير إليه الآية ، العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه.. لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله!
إن العلم ليس مقصوراً على علم العقيدة والفرائض الدينية والشرائع.. فالعلم يشتمل على كل شيء، ويتعلق بالقوانين الطبيعية.. وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة والفرائض والشرائع.. لكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية ليس هو العلم الذي يعنيه القرآن ويثني على أهله.. إن هناك ارتباطاً بين القاعدة الإيمانية وعلم الفلك، وعلم الأحياء، وعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء، وعلم طبقات الأرض..وسائر العلوم المتعلقة بالنواميس الكونية، والقوانين الحيوية. إنها كلها تؤدي إلى الله، حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله.. كما اتجه المنهج الأوروبي في النهضة العلمية-مع الأسف- بسبب تلك الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوروبي خاصة، بين المشتغلين بالعلم وبين الكنيسة الغاشمة! ثم ترك آثاره العميقة في مناهج الفكر الأوروبي كلها، وفي طبيعة التفكير الأوروبي، وترك تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة -لا لأصل التصور الكنيسي وحده ولا للكنيسة وحدها- في كل ما أنتجه الفكر الأوروبي، في كل حقل من حقول المعرفة، سواء كانت فلسفة ميتافيزيقية، أو كانت بحوثاً علمية بحتة لا علاقة لها -في الظاهر- بالموضوع الديني!
وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي، ونتاج هذا الفكر في كل حقول المعرفة، يقوم ابتداء على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة، فإن تلك المناهج وهذا النتاج أشد عداءً للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يعتمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة -في خطة متعمدة- تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميز المجتمع المسلم في كل مقوماته.
ومن ثم يكون من الغفلة المزرية الاعتماد على مناهج الفكر الغربي، وعلى نتاجه كذلك، في الدراسات الإسلامية.. ومن ثم تجب الحيطة كذلك في أثناء دراسة العلوم البحتة -التي لابد لنا في موقفنا الحاضر من تلقيها من مصادرها الغربية- من أية ظلال فلسفية تتعلق بها، لأن هذه الظلال معادية في أساسها للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي بصفة خاصة. وأي قدر منها يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي…