السبت، 29 مايو 2010

سورة البقرة

( من ثمرات التلاوة ) سورة البقرة :
تعرض السورة الكريمة ثلاثة أصناف من الناس في الربع الأول منها : المؤمنون المتقون ، والكفار والمنافقون .
وأدعوك أن تتملى صفات المؤمنين وتقارن بينها وبين صفات الكافرين والمنافقين لتعود شاكرا لله على نعمة الإسلام والإيمان .
وأظهر صفتين هما : الإيمان بالغيب ، والإيمان بما أنزل إلى كل الرسل .
ثم لا يكا د هذا الربع ينتهي حتي ينادي القرآن الحكيم الناس كافة أن يكونوا في صف المؤمنين ويعبدوا الله وحده.
وهذا التكليف له أسباب فالله عز وجل هو الذي خلقهم وخلق من قبلهم ، كما أن عبادة الله ستعود عليهم بالتقوى وتهذيب الشعور وتحسين السلوك .
وإنها لفائدة ضخمة أن يعيش الإنسان حياة كريمة في ظل منهج الله عز وجل ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) .
ثم تأتي قصة الاستخلاف : استخلاف آدم وذريته في الأرض .
ونوع آخر من الاستخلاف على العقيدة والقوامة على الدين مع إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب .
واستخلاف بني إسرائيل .
وكان التفضيل والتكريم لآدم عليه السلام وذريته ممثلا في :
1 – هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا .
2 – استخلافه في الأرض .
3 – أمر الله الملائكة أن يسجدوا له .
4 - تعليمه الأسماء كلها .
5 – تلقى من ربه كلمات فتاب عليه .
ولكي يظل التكريم ويظل الاستخلاف ، يجب عليه تجاه ذلك :
§ العلم .
§ العبادة . ( والعلم لعمارة الأرض في كل مجالات الحياة المختلفة ، والعلم والعبادة لعمارة الأرض بالطاعة الخالصة لله رب العالمين ) .
§ التوبة من المعاصي والرجوع إلى الله .
§ إن شجرة الحرام هذه هي الحدود الممنوع الاقتراب منها ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) البقرة187 .
§ فالمطلوب إذن من آدم وذريته أن يتوبوا إلى الله وينكسروا بين يديه في عبودية تامة ، كلما طالت أيديهم شجرة الحرام .
§ فليست العبودية الامتناع عن الحرام بالكلية ؛ لأن ذلك ليس في مقدور المكلفين ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) حديث حسن خرجه السيوطي وصححه الألباني .
§ ولكن أعبد الناس هو الذي يخطئ فيتوب ويعود نادمًا أسيفا .
والسورة الكريمة تعرض استخلاف إبراهيم , وإسماعيل ،وإسحق و ويعقوب وبنيه . وكيف نجحوا في هذه المهمة .
فإبراهيم ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن : بإبعاد ولده وزوجه إلى أرض لا نبات فيها ولا ماء ، و بذبح ولده ، وبالإلقاء في النار .
وإسماعيل يصبر لأمر ربه وهو بعد غلام .
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }البقرة132 .
ويعقوب لا يموت حتى يطمئن على بقاء أولاده على عبادة الله واستمرار رسالة التوحيد من بعده .
ثم تعرض صورة استخلاف بني إسرائيل وتفضيل الله لهم على العالمين في عصرهم وبينت كيف ضلوا وأساءوا
وسردت السورة الكريمة صورا من معاصيهم وسيئاتهم لكي تتجنبها أمة الإسلام .
فذكرت أنهم :
يكفرون بآيات الله .
يقتلون الأنبياء بغير الحق .
قالوا سمعنا وعصينا .
وعبدوا العجل من دون الله .
قالوا راعنا .
سوء الأدب في قصة البقرة .
قالوا أرنا الله جهرة .
قالوا حنطة .
عبدوا العجل من دون الله .
وغير ذلك مما سجل عليهم القرآن الكريم في أكثر من موضع .
ثم يأتي التكريم الكبير لاختيار أمة الإسلام لتكون قيمة على الدين وعلى المقدسات .
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ...) .
وقد ميز الله تعالى هذه الأمة بقبلتها ووسطيتها ، وكونها آخر أمة أخرجت للناس .
ثم بين الله عز وجل للأمة المختارة تفاصيل شريعتها من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد وأحكام الأسرة من زواج وطلاق ومتعة ونفقة ، والمعاملات الجائزة والمحرمة كالبيع والرهن والوصية ، والربا .
وإذا كانت التكاليف شاقة على الأمة ؛ فعليها أن تستعين بربها الذي يعلمها هذا الدعاء العظيم :
{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }البقرة286.
ولا يعقل أن يأمرنا الله تعالى بالدعاء ثم لا يستجيب .
عن بن عباس قال لما نزلت هذه الآية " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال قد فعلت " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " قال قد فعلت " واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا " قال قد فعلت . ( صحيح مسلم ) .
وإن العبد ليعجب من كرم ربه سبحانه وتعالى ، يحدد لنا الدعاء لندعوه به ـ فإذا دعوناه قال قد فعلت وفي رواية ( قال نعم ) .
وورد في فضل هاتين الآيتين أيضا :
عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه" المسند .
عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي" المسند .
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " ما أرى أحدا يعقل بلغه الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة فإنها من كنز تحت العرش" .
وورد في فضل آية الكرسي أنها أعظم آية في كتاب الله (عن ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسفع (3) -رجل صدق-أخبره عن الأسفع (4) البكري: أنه سمعه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ } حتى انقضت الآية. (5) . المعجم الكبير .
كما ورد في فضل سورة البقرة :
أنها بركة وأنها تطرد الشيطان :- عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة " . رواه مسلم . . - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة " . رواه مسلم .
والحمد لله أولا وآخرا .

الثلاثاء، 11 مايو 2010

لا تلوث عزمك

( حديث إلى النفس ) .. . لا تلوث عزمك ... أرجوك
لا تبحث عن الشهرة والصيت .
لا تعجب بعملك .
لا تدعُ الناس إليك .
لا تحدثهم عن أعمالك ، عن أولادك ، عن مالك ، عن شهاداتك .
كن قويا عندما تدعوك نفسك إلى حب الرياء و المن .
لا تضعف أمام الباطل ، وقف له بالمرصاد بالوسائل المشروعة .
لا تكبر الدينا في عينيك ، ولا تضخمها في ناظريك .
لا تأكل حراما .
تنزه عن الشبهات .
ادع الناس إلى الله واعمل على إنقاذهم من أنفسهم ومن الطغاة والظالمين .
خذ بأيديهم من هذه الحياة السائبة ، واربطهم بالأهداف السامية التي فيها عزهم في الدنيا والآخرة .
حصن أفكارهم ومشاعرهم .
انتشلهم من الجبن والوضاعة ، وأقمهم على طريق العزة والكرامة .
ولا ترج منهم شيئا .
اربطهم بقرآن ربهم وسنة نبيهم وسيرة السلف الصالح ؛ فهذا هو الطريق المعبد الذي يوصل إلى الهدف المقصود .
اعمل على توحيد مصدر ثقافتهم حتى يسلم بناؤهم ويصلب عودهم ؛ ليحملوا منهج ربهم للعالمين ، غير عابئين بما يكلفهم من تضحيات ، وغير هيابين من البشر ، متوكلين على ربهم وحده سبحانه وتعالى .
إن تقوية الإيمان في القلوب هي الضمان الوحيد لإنقاذ الناس من ضعف نفوسهم أمام الشهوات ، وعجزها تجاه الباطل ، وصمتها أمام الطغيان
.
لا تصرف وقتك في غير مهمتك ، ولا تنفق جهدك في غير وظيفتك ، ولا تلتفت عن وجهتك .
اجعل غايتك في الحياة أن تعرف الناس بربهم ، وتحببهم إليه .
وجه الناس إلى رعاية الجسد في محيطه الطبيعي ، والروح إلى أفقه المطلوب .
اجعل حياتك وحياة الناس تحت إمرة القلوب ، لا تحت إمرة الأهواء .
ستهون عليك الدنيا بما فيها إذا ذقت لحظات القرب من الله ، لن تجد الدنيا مكانا في قلبك إذا أحببت جوار الله في الجنة ، حيث الخلود الأبدي والنعيم السرمدي ، سيكون شوقك إلى الله أعظم من شوقك إلى كل متاع الدنيا المنغص الفاني .
حلق في سماء القرآن ، واغترف من معينه الذي لاينضب .
تقرب بالفرائض ، وتحبب بالسنن الرواتب ، واسعد بقيام الليل بين يدي ربك والناس نيام ، وعالج أخطاءك واستغفر بالأسحار ، واطلب من ربك أن يرزقك حبه وينعم عليك بقربه ولا تفتر عن ذلك حتى يبزغ الفجر الموعود والقرآن المشهود .
عطر لسانك بالذكر قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ، وكل حين .
ارض عن ربك ، واقنع بما قسم لك ، ولا تعترض ولا تحسد واسأل الله من فضله.
قل : اللهم إنا نسألك عيشة هنية وميتة سوية ومردا غير مخز ولا فاضح . اللهم لا تمتنا وعلينا حق لأحد من عبادك .
اللهم لا سعادة إلا في ظل شريعة الإسلام ، اللهم حكم شرعك وكتابك وسنة نبيك ، وانصر عبادك الصالحين .
آمين .

التواضع والخمول ( الدورة النفسية )

الدرس الثالث و الرابع
حدثنا أبو بكر بن سهل التميمي حدثنا بن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد عن عياش بن عباس عن عيسى بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه دخل المسجد فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما يبكيك يا معاذ قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اليسير من الرياء شرك وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأبرار الذين إذا غابوا لم يفقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمة
[ 11 ] حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا يعلى بن عبيد عن محمد بن عون عن إبراهيم بن عيسى عن عبد الله بن مسعود قال كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض
[ 12 ] حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي خالد قال قال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه كونوا أوعية الكتاب وينابيع العلم وسلوا الله رزق يوم بيوم وعدوا أنفسكم مع الموتى ولا يضركم ألا يكثر لكم
[ 13 ] حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا بن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع فمن صبر على ذلك قال ثم نقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال عجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه
[ 14 ] حدثنا إسحاق حدثنا عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير قال قال عبد الله بن مسعود كونوا ينابيع العلم جدد القلوب خلقان الثياب سرج الليل كي تعرفوا في أهل السماء وتخفوا في أهل الأرض
[ 15 ] حدثنا محمد بن علي بن الحسن حدثنا عبد الرحمن بن علقمة حدثنا حزم قال سمعت معاوية بن قرة يقول قال كعب طوبى لهم وطوبى لهم قيل ومن هم يا أبا إسحاق قال طوبى لهم قوم أن شهدوا لم يدخلوا وإن خطبوا لم ينكحوا وإن قاموا لم يفقدوا
[ 16 ] حدثنا محمد بن علي قال سمعت أبي أنبأنا محمد بن مسلم الطائفي حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس عن سليم بن هرمز عن عبد الله بن عمرو قال أحب عباد الله إلى الله الغرباء قيل ومن الغرباء قال الفرارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم عليه السلام
حدثنا محمد بن علي بن شقيق حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل يقول بلغني أن الله تعالى يقول للعبد في بعض منته التي من بها عليه ألم أنعم عليك ألم أعطك ألم أسترك ألم ألم ألم أخمد ذكرك قال وسمعته يقول إن قدرت أن لا تعرف فافعل وما عليك ألا تعرف وما عليك ألا يثنى عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله عز وجل
[ 18 ] حدثني عبد الله بن وضاح حدثني يحيى بن يمان عن عبد الواحد بن موسى قال سمعت بن محيريز يقول اللهم إني أسألك ذكرا خاملا
[ 19 ] حدثني محمد بن الحسين حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني قال حدثني من سمع كعبا يقول إني لأجد في كتاب الله عز وجل صفة قوم ما رأيتهم بعد شعثة رؤوسهم دنسة ثيابهم إن خطبوا النساء لم ينكحوا وإن حضروا السدد لم يؤذن لهم حاجة أحدهم تجلجل في صدره لو قسم نوره يوم القيامة على الخلائق لوسعهم
[ 20 ] حدثني أبو بكر بن أبي النضر حدثنا مؤمل عن سفيان قال كان رجل من الأنصار يقول اللهم ذكرا خاملا لي ولبني ولا تنقصنا ذاك عندك شيئا
[ 21 ] حدثني الطيب بن إسماعيل قال كان من دعاء الخليل بن أحمد اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك واجعلني في نفسي من أوضع خلقك واجعلني عند الناس من أوسط خلقك
[ 22 ] حدثنا أحمد بن إبراهيم وغيره عن خلف بن تميم قال سمعت سفيان الثوري يقول وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب بتوت وعناء
[ 23 ] حدثنا سلمة بن شبيب الكلابي عن عمرو بن عاصم الكلابي حدثنا جعفر بن سليمان ما أحب أن يعرفني بطاعته غيره حدثنا قال قال مورق العجلي
[ 24 ] حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني سلمة بن عقار أو غيره قال لما قدم بن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف الأصبهاني فقال من فضلك لا تعرف
[ 27 ] وبه حدثنا يحيى بن سليم قال سمعت شبل بن عباد قال سمعت أبا الطفيل قال سمعت علي بن أبي طالب يقول أظلتكم فتنة مظلمة عمياء متسكنة لا ينجو منها إلا النومة قيل يا أبا الحسن وما النومة قال الذي لا يعرف الناس ما في نفسه
[ 28 ] حدثنا محمد بن الحسين حدثنا أحمد بن سهل الأردني حدثني سلم وكان فاضلا قال قال لي إبراهيم بن أدهم قال ما فزت في الدنيا قط إلا مرة بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام وكان في البطن فجر المؤذن رجلي حتى أخرجني من المسجد
[ 29 ] حدثنا محمد حدثني خلف البرزاني قال سمعت سفيان الثوري يقول أقل معروف الناس يقل عيبك
قلت : لعله يقصد إذا كانت معرفة الناس لك قليلة قل عيبك .
[ 32 ] حدثنا علي بن الجعد أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه ودنياه ( ضعيف ) .
‏(‏قلب الشيخ شاب على حب اثنين‏)‏‏.‏‏(‏يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنتان الأمل وحب المال‏)‏ متفق عليه‏.‏
‏(‏لو كان لابن آدم واديان من ذهب‏)‏ إلخ‏.‏ متفق عليه‏.‏
‏يدخل صعاليك المهاجرين قبل أغنيائهم الجنة بخمسمائة عام‏)‏ للترمذي محسنا‏.‏
‏(‏يدخل الأنبياء كلهم قبل داود وسليمان الجنة بأربعين عاما‏)‏ للطبراني‏.‏
‏تحفة المؤمن في الدنيا الموت‏)‏ حسن‏.‏
في المختصر ‏(‏إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الماء والطين‏)‏ لأبي داود‏.‏
(‏كل نفقة العبد يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين‏)‏ لابن ماجه‏.‏
‏(‏كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر أو برد‏)‏ حسن‏.‏
[ 34 ] حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن هراسة عن القراة عن شيخ من أحنف قال سمعت عليا يقول تبذل لا تشهر ولا ترفع شخصك لتذكر وتعلم أكتم واصمت تسلم تسر الأبرار وتغيظ الفجار
[ 35 ] حدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا أحمد بن كردوس حدثنا مخلد بن الحسين عن أبي بكر بن الفضل قال سمعت أيوب يقول ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه
[ 36 ] وبه حدثنا الحسن بن الربيع حدثني سعيد بن عبد الغفار قال كنت أنا ومحمد بن يوسف الأصبهاني فجاء كتاب محمد بن العلاء بن المسيب من البصرة إلى محمد بن يوسف فقرأه فقال لي محمد بن يوسف ألا ترى إلى ما كتب به محمد بن العلاء وإذا فيه يا أخي من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس
[ 37 ] حدثني أبو بكر الشيباني قال سمعت سفيان بن عيينة يقول قال لي بشر بن منصور أقل من معرفة الناس فإنه أقل لفضيحتك في القيامة
[ 40 ] حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن مغيرة قال قال سماك بن سلمة يا قلب إياك وكثرة الأخلاء
[ 41 ] حدثنا محمد بن علي بن الحسن حدثنا إبراهيم بن الأشعث حدثني شيخ من النخع عن أشياخ له من أصحاب عبد الله بن مسعود كفى به دليلا على امتحان دين الرجل كثرة صديقه
[ 42 ] حدثني سلمة حدثنا سهل بن عاصم حدثنا قبيصة قال سمعت سفيان يقول كثرة الإخوان من سخافة الدين
[ 43 ] حدثني سلمة حدثني سهل قال سمعت سالم بن ميمون سمعت عثمان بن زائدة يقول كان يقال إذا رأيت الرجل كثير الأخلاء فاعلم أنه مخلط
[ 44 ] وبه حدثني علي بن معبد حدثني فضالة بن صيفي قال كتب أبان بن عثمان إلى بعض إخوانه إن أحببت أن يسلم لك دينك فاقل من المعارف
[ 45 ] حدثني عبد الله بن أحمد الخزاعي قال سمعت أبي قال سمعت الحسن بن رشيد يقول سمعت الثوري يقول يا حسن لا تعرفن الى من لا يعرفك وأنكر معرفة من يعرفك
[ 46 ] حدثنا محمد بن عبد المجيد التميمي حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان أنه كان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة
[ 47 ] حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن ليث عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام
[ 48 ] حدثنا هاشم بن الوليد حدثنا أبو بكر بن عياش قال سألت الأعمش كم رأيت أكثر ما رأيت عند إبراهيم قال أربعة خمسة
[ 49 ] وبه حدثنا أبو بكر قال ما رأيت عند حبيب بن أبي ثابت غلمة ثلاثة قط
[ 51 ] حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان وأبو مسلم قالا حدثنا عبد الله بن إدريس عن هارون بن عنترة عن سليم بن حنظلة قال بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع فقال إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع
[ 52 ] وبه حدثنا حماد بن زيد عن عون عن الحسن قال خرج بن مسعود ذات يوم من منزله فاتبعه الناس فالتفت إليهم فقال علام تتبعوني والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان
[ 53 ] وبه عن يزيد بن حازم قال سمعت الحسن يقول إن خفق النعل خلف الرجل قل ما يلبث قلوب الحمقى
[ 54 ] حدثنا أبو عدنان المقري حدثنا يوسف بن عطية قال خرج الحسن ذات يوم فاتبعه قوم فالتفت إليهم فقال هل لكم من حاجة وإلا فما عسى أن يبقي هذا من قلب المؤمن
[ 55 ] حدثنا سبلان حدثنا ضمرة قال حدثني عمير بن عبد الملك الكناني أن رجلا صحب بن محيريز في سفر فلما أراد أن يفارقه قال أوصني قال إن استطعت أن لا تعرف ولا تعرف وتمشي ولا يمشي إليك وتسأل ولا تسأل فافعل
[ 56 ] حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا وهيب بن خالد حدثنا الجريري قال قال لي أيوب يا أبا مسعود إني أخاف ألا تكون المعرفة أبقت عند الله حسنة إني لأمر بالمجلس فأسلم عليهم وما أرى أن فيهم أحدا يعرفني فيردون علي ويسألوني مسألة كأن كلهم قد عرفوني
[ 57 ] حدثنا أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد قال أيوب إني لأمر بالمجلس فأسلم عليهم فيردون علي يعني في ردهم أنهم قد عرفوني فأي خير مع هذا
[ 58 ] حدثنا أحمد حدثنا أبو داود عن حماد بن زيد قال كنا إذا مررنا بالمجلس ومعنا أيوب فسلم ردوا ردا شديدا قال فكأن ذلك نقمة قال أبو داود كراهة الشهرة
[ 59 ] وبه حدثنا أحمد بن شجاع حدثنا النضر بن شميل عن رجل قد سماه قال خرج أيوب في سفر فتبعه ناس كثير فقال لولا أني أعلم أن الله عز وجل يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله عز وجل
[ 60 ] وبه حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد قال دفع إلي أيوب ثوبا فقال اقطعه لي قميصا واجعل فم كمه شبرا واجعله يقع على ظهر القدم
[ 61 ] حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر قال عاتبت أيوب على طول قميصه فقال إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره
[ 62 ] حدثنا محمد بن سلام الجمحي حدثنا عدي بن الفضل قال قال لي أيوب احذ نعلين على نحو حذو نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ففعلت فلبسها أياما ثم تركها فقلت له في ذلك فقال لم أر الناس يلبسونها
[ 63 ] حدثنا علي بن الجعد أخبرنا قيس بن الربيع عن منصور عن إبراهيم قال لا تلبس من الثياب ما يشتهرك الفقهاء ولا يزدريك السفهاء
[ 64 ] حدثنا الحكم بن موسى حدثنا غسان بن عبيد عن سفيان الثوري قال كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر فيها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه
[ 65 ] حدثنا خالد بن خداش حدثنا حماد بن زيد عن أبي خشينة صاحب الزيادي قال كنا مع أبي قلابة إذ دخل رجل عليه أكسية فقال إياكم وهذا الحمار النهاق
[ 66 ] حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد عن رجل عن أبي بكر عن الحسن قال إن أقواما جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب المطرف بمطرفه ما لم تفاقروا
[ 67 ] حدثنا أبو إسحاق إسماعيل بن الحارث حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا بن المبارك حدثنا أبو عوانة عن سليمان الشيباني حدثنا رجل قال رأى بن عمر على ابنه ثوبا قبيحا دونا فقال لا تلبس هذا فإن هذا ثوب شهرة .
[ 68 ] حدثني هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس قال قال رجل مررت ذات يوم بفضيل بن عياض وهو خلف سارية وحده وكان لي صديقا فجئته فسلمت عليه وجلست إليه فقال يا أخي ما أجلسك إلي فقلت وجدتك وحدك فاغتنمت وحدتك فقال أما إنك لو لم تجلس إلي لكان خيرا لك وخيرا لي فاختر إما أن أقوم عنك فهو والله خير لك وخير لي وإما أن تقوم عني فقلت بل أنا أقوم عنك فأوصني بوصية ينفعني الله عز وجل بها قال يا عبد الله أخف مكانك واحفظ لسانك واستغفر الله عز وجل لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات كما أمرك
[ 69 ] حدثنا الحسن بن عبيد قال قال رجل لبشر بن الحارث أوصني قال أخمل ذكرك وطيب مطعمك
[ 70 ] حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال كان حوشب يبكي ويقول بلغ اسمي مسجد الجامع .
[ 71 ] وبلغني عن عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم أحسبه قال كنت وأبو إسحاق ذات ليلة عند سفيان وهو مضطجع فرفع رأسه إلي أبي إسحاق فقال إياك والشهرة قال وقال أبو مسهر بينك وبين أن تكون من الهالكين إلا أن تكون من المعروفين
[ 72 ] حدثني الحسن بن عبد الرحمن قال قال بشر بن الحارث رحمه الله لا أعلم رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح قال وقال بشر بن الحارث لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس
[ 73 ] حدثني محمد بن الحسين حدثني الصلت بن حكيم حدثني عبد الله بن مرزوق قال استشرت سفيان الثوري فقلت أين تراني أنزل قال بمر الظهران حيث لا يعرفك إنسان
باب التواضع
[ 74 ] حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عز وجل عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع عبد لله عز وجل إلا رفعه الله عز وجل
[ 75 ] حدثنا أبو بكر بن سهل التميمي حدثنا بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانها فإن هو رفع نفسه جبذاها ثم قالا اللهم ضعه وإن وضع نفسه قالا اللهم ارفعه بها
[ 76 ] حدثنا مهدي بن حفص حدثنا إسماعيل بن عياش عن مطعم بن المقدام الصنعاني عن عنبسة بن سعيد الكلاعي عن نصيح العنسي عن ركب المصري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن تواضع في غير منقصة وذل من غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة
[ 77 ] حدثنا الحسن بن منصور بن سليمان القرشي حدثنا يحيى بن ميمون حدثني أبو سلمة المديني عن أبيه عن جده قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا بقباء وكان صائما فأتيناه عند إفطاره بقدح من لبن وجعلنا فيه شيئا من عسل فلما رفعه فذاقه وجد حلاوة العسل قال ما هذا قلنا يا رسول الله جعلنا فيه شيئا من عسل فوضعه فقال أما إني لا أحرمه ومن تواضع رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن اقتصد أغناه ومن بذر أفقره الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله
[ 78 ] حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير العدوي حدثنا عبد الله بن إدريس حدثني بن عجلان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن معمر بن أبي حبيبة عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال سمعت عمر بن الخطاب يقول في العبد إذا تواضع لله عز وجل رفع الله حكمته وقال انتعش رفعك الله وإذا تكبر وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض وقال اخسأ خسأك الله فهو في نفسه عظيم وفي أعين الناس حقير حتى أنه عندهم من الخنزير أيها الناس لا تبغضوا الله إلى العباد قيل وكيف ذلك قال يقوم أحدكم إماما فيطول عليهم فيبغض إليهم ما هم فيه

من كتاب التواضع والخمول

الثلاثاء، 27 أبريل 2010

أرواح نذرت أنفسها للحق

محمد فتح الله كولن
إن أهم جانب يستدعي النظر ويجلب التقدير والإعجاب عند الأبطال الذين أحبوا الله تعالى ونذروا حياتهم في سبيل رضاه وارتبطوا بغاية مُثلى هي نيل محبته.. إن أهم جانب لدى هؤلاء الأبطال وأهم مصدر من مصادر قوتهم، هو أنهم لا يبتغون ولا ينتظرون أي أجر مادي أو معنوي. ولن تجد في خططهم وحساباتهم أنهم يعيرون أهمية لأمور يسعى طلاب الدنيا للحصول عليها كالأموال والأرباح والثروة والرفاهية... هذه الأمور لا تشكل عندهم أي قيمة، ولا يقبلون أن تشكل عندهم أي مقياس.إن القيمة الفكرية لهؤلاء الناذرين أرواحهم تعلو على القيم الدنيوية إلى درجة يصعب معها تحويل محور هدفهم المرتبط برضا الله دون أي غرض آخر ودون أي تنازل.
أما ربطهم بهدف بديل فمستحيل.
والحقيقة أن قلب كل منهم قد تعرض لتحول جذري من كل ما هو زائل وفانٍ إلى الباقي أبداً، لذا فلا يمكن قطعاً أن يتغير إلى شيء آخر، ولا أن يصعد إلى مستوى أعلى، لأنه يعلم يقيناً أنه لا يوجد مستوى أعلى من قضيته ومن فكرته... فهو قد نذر نفسه لإرشاد الناس إلى الحق تعالى وتحبيبه إليهم، لتحقيق الحصول على محبته تعالى، وربط حياته لإحياء نفوس الآخرين، ونأى بنفسه عن أي هدف عرضي وزائل، أي قلّص هدفه رافعاً من قيمته، ومخلصاً له من التشتت وموحداً قبلته... نظراً لكل هذا فلن تجد عند أمثال هؤلاء شعارات تفرق ولا تجمع، وتشتت ولا توحد وتقود إلى النزاع من أمثال "هم" و "نحن" أو "أنصارنا" و"أنصارهم". ولا توجد عندهم أي مشكلة ظاهرية أو خفية مع أحد، ليس هذا فحسب، بل تراهم في سعي دائم ليكونوا ذوي فائدة لكل من حولهم، ويُبدون عناية فائقة لعدم إثارة أي مشاكل أو حساسيات في المجتمع الذي يعيشون فيه.
وعندما يرون سلبيات في مجتمعهم فلا يتصرفون كمحاربين غلاظ، بل كمرشدين رحماء يقومون بدعوة الأفراد إلى الأخلاق الفاضلة، ويسعون في هذه السبيل سعيا حثيثا، ويبذلون ما بوسعهم للابتعاد عن فكرة الحصول على نفوذ سياسي أو الوصول إلى مناصب مختلفة مهما كان الثمن وأياً كان الأسلوب.إن أهم ما يميز العمق الداخلي لهؤلاء الناذرين أرواحهم لله هو المعرفة وتقييمها، وأسس أخلاقية قويمة وسيادتها على كل مظاهر الحياة وميادينها، وفضيلة قائمة على الإيمان وعدم الاستغناء عنها. وهم يبدون اهتماماً خاصّاً للابتعاد عن كل شيء لا يفيد مستقبلهم ولا سيما حياتهم الأخروية من دعايات فارغة لجلب شهرة أو صيت أو نفع مادي، ويبذلون كل ما بوسعهم إلى درجة الإرهاق لتوجيه الذين يسيرون وراءهم أو يحترمونهم إلى المعاني الإنسانية السامية بجعل معارفهم وأفكارهم ذات مغزى بالامتثال بها كلٌّ حسب سعة أفقه.
وهم إذ يقومون بهذا لا يبتغون جزاء ولا شكوراً، ويحاولون أن يبتعدوا عن المصالح الشخصية والمنافع ويهربوا منها مثلما يهربون من الأفاعي والعقارب.
وهم يتصرفون هكذا كتحصيل حاصل لعمق غناهم النفسي الذي ينأى بهم عن كل نوع من أنواع الدعاية والضجيج وحب المظاهر، ويملكون من القوة ما يعصمهم عن هذه السفاسف. كما أن تصرفاتهم وسلوكهم النزيه والجميل الذي يعكس صدى أرواحهم يكون له من قوة الجاذبية والتأثير ما يسخر به كل مَنْ يعقل ما حوله فيجعله يسير وراءهم مسرعاً.لذا لا يدور بخلد أي واحد من هؤلاء أن يتكلم عن نفسه أو يتوسل إلى الدعاية لرفع شأنه ولا يظهر أي رغبة أو شهوة في نشر صيته.
وعوضاً عن هذا نراه يحاول بكل جهده ليبلغ مستوى حياة القلب والروح، رابطاً كل فعالياته هذه بالإخلاص ولا يبتغي غير وجه الله تعالى. وبتعبير آخر يهدف كل واحد منهم إلى نيل رضاء الله وحده ويسعى إلى هذا الهدف السامي بكل حوله وقوته، ولا يلوث أحد منهم عزمه الصارم -القريب من عزم الأنبياء- بالأغراض الدنيوية ولا بمحاولة الحصول على الصيت والشهرة بين الناس أو نيل إعجابهم.وبما أن الإيمان والإسلام والقرآن يتعرض اليوم إلى هجوم وانتقادات مباشرة وعلنية، وتثار الشبهات حولهم، كان من الواجب أن تتوجه الجهود جميعها نحو نقاط الهجوم هذه لتحصين الأفكار والمشاعر الإسلامية لدى الأفراد، وإنقاذ الجماهير من حياة سائبة لا هدف لها وربطهم وتوثيق صلتهم بالأفكار والأهداف العالية. ولا يمكن إشباع هذه الحاجة وإنقاذ الأفراد من اللهاث وراء البحث عن أهداف أخرى إلا بتقوية الإيمان في القلوب من جديد بكل ألوانه وزينته وجماله وأسلوب خطابه. وبعبارة أخرى توجيه الإنسان إلى الحياة الروحية والقلبية من جديد. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة، ولا سيما في عهد يرى فيه البعض ضرورة تغيير كل شيء، وتغيير بنية القالب الاجتماعي وتحويلها، ثم صبها في قوالب جديدة؛ لأن أية محاولات من هذا النوع تحمل في طياتها احتمال النزاع والشقاق والاحتكاك والتفرق، بينما لا نجد سوى التفاهم والوفاق والتعاون في أسلوب التوجيه الإيماني.لا تعيش الأرواح التي نذرت نفسها لرضا الحق تعالى أي فراغ في حياتها العقلية والمنطقية نتيجة توحيد قبلتها، بل تراهم منفتحين على الدوام على المنطق وعلى العلم ويعدون هذا من ضرورات الإيمان الحقيقي، مع ملاحظة أن الأهواء الدنيوية لهؤلاء والرغبات الجسدية لهم تذوب في حنايا قربهم من الله وتذوب في أعماق مشاعر وجو التوحيد عندهم الذي يشبه المحيطات في سعتها وأعماقها وأغوارها. لذا تنقلب هذه الرغبات عندهم إلى شكل آخر وإلى صورة أخرى... إلى ذوق روحاني نابع من رضا الله. لذا فإنه في الوقت الذي يتنفس فيه هؤلاء -الذين نذروا أنفسهم للحق تعالى- جواً ملائكياً في ذرى حياتهم الروحية والقلبية تراهم يتعاملون مع أهل الدنيا أيضاً ولا يتأخرون عن استعمال جميع حقوقهم الدنيوية المشروعة. لذا يُعَدّون من جانبٍ أهل دنيا لأنهم يتوسلون بالأسباب ويستعينون بها ويراعونها، ومن جانب آخر يعدون من أهل الآخرة لأنهم يستثمرون كل شيء وكل مسألة من زاوية حياتهم الروحية والقلبية. ولا يعني قيام حياتهم الروحية والقلبية بتحديد حياتهم الدنيوية بدرجة ما أنهم يهملون الحياة الدنيوية ويتركونها تماماً أو ينعزلون عنها تماماً، على العكس فهم يقفون كل حين في وسط الدنيا منخرطين فيها. ولكن موقفهم هذا ليس من أجل الدنيا ولا باسمها، بل باسم الله ورعاية للأسباب ولربط كل شيء بالآخرة.والحقيقة أن هذا هو السبيل الوحيد لإبقاء الجسد في إطاره والروح في أفقه، أو ربط الحياة وجعلها تحت إمرة القلب والروح. فإطار حياة البدن محدود بالمقياس الضيق للجسد، لذا يجب أن يتوجه أفق الحياة الروحية المتطلعة إلى الخلود نحو اللاتناهي على الدوام. وهكذا فإن قام الإنسان -باعتبار هذا المستوى لأفق حياته- بالتعامل مع الأفكار السامية في كل حال من أحواله، ووجّه حياته لواهبها ورأى أن الإحياء أعمق شيء في الحياة، ورنا بنظره نحو الذرى على الدوام تحول -أراد ذلك أم لم يرد- إلى شخص يطبق برمجة سامية. لذا يقوم بلجم أهوائه وبتضييق أذواقه الشخصية ولكن ضمن إطار معين.لا شك أن القيام بتوجيه الحياة وتسييرها وفق هذا العمق ليس أمراً هيناً، ولكن هذه الصعوبة سرعان ما تتحول إلى أمر هين عند من نذر نفسه لله، وجعل غاية حياته تعريف خالقه للناس وتحبيبه إليهم، وتراه يدق بإحدى يديه على أبواب قلوب الناس ويدق بيده الأخرى على باب رحمة الحق تعالى، فهو في حركة دائبة بين هذين الأمرين رامياً هداية الجميع وتوجيههم إلى الباري عز وجل.والحقيقة أن من يشعر بدفء الإيمان بالله تعالى في أعماقه.. ويسعى ليعبر عن هذا بلسان قلبه وجذوة فؤاده خشية منه سبحانه حيناً وحباً له أحياناً أخرى.. مثل هذا الإنسان لن يواجه أي صعوبة في أي أمر، إذ كلما قصر تفكيره ونظره في الله تعالى، وفي البحث عن سبل الوصول إليه، وتقييم كل وسيلة حسب تقريبها وتوصيلها إليه... كلما جعله الحق تعالى محط نظره وعنايته الخاصة موقَّراً ومُحترَماً من قبل الجميع، أي إنه في مقابل وفاء أرضي ضئيل، يكون الوفاء السماوي أضعافاً مضاعفة. وهاكم قطرة واحدة بسعة البحار من هذا الوفاء: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(الأنعام:52). ولم يكن هؤلاء الذين نبه الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بعدم طردهم من مجلسه سوى المداومين على حضور مجلسه من الذين نذروا أنفسهم لرضا الله تعالى.وحسب درجة الإخلاص في هذا النذر، وكونه صادراً من صميم القلب نرى عطفاً خاصّاً من الحق تعالى نحوهم، وإسباغ فضل خاص عليهم. أجل!.. بقدر ارتباط المرء بالله تعالى ومحاولة كسب رضاه وجعل هذا الأمر غاية حياته وهدفها يلقى أفضال الله عليه وأنعمه ويكون موضوع حوار في عوالم ما وراء السماوات. كل فكر لمثل هذا الإنسان في الدنيا وكل كلام أو سلوك وتصرف يضمخه الإخلاص ويعطره يتحول في ذلك العالم الآخر إلى جو من النور وإلى صحائف تقدير مبهجة. وهؤلاء السعداء الذين ملأوا أشرعتهم بنسائم هذه السعادة المقدسة يهرولون إليه مسرعين على الدوام فضلاً منه تعالى حسب عمق إخلاصهم، ولا يقف أمامهم أي عائق. والصورة التي يرسمها القرآن لهؤلاء تستحق التأمل: ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(النور:37-38).إن أمثال هؤلاء الأبطال من ذوي الأرواح التي تخلصت من كل أنواع الأسر وألوان القيود، والذين رموا أعباء كل أحزانهم وهمومهم عن أكتافهم بتسليم أنفسهم لله والتوكل عليه، قد وجدوا كل شيء، إذ بجانب الأفضال والهبات التي حصلوا عليها في عالم القلب والروح لا تعني جميع النعم الدنيوية الغالية والأهواء والمباهج إلا كفضلات الطعام والأقداح الفارغة فوق الموائد.. وتجاه لوحات الجمال وصورها التي تزين عوالم قلوبهم لا تعد الدنيا وما فيها إلا خرافة من الخرافات أو أسطورة من الأساطير. وما قيمة شيء يخضر في الربيع ثم يبهت لونه في الخريف..! فإن الأرواح التي تعي هذه الحقيقة وتعايشها على الدوام وترنو ببصرها إلى الخلود والبقاء، ترسم إشارة الضرب على كل شيء لا يحمل صفة الأبدية وتدير ظهرها له، وتسير في طريقها دون الالتفات نحوه... تسير في درب القلب إلى بساتين الأبد وحدائق الخلود، ولا تلوي إلى الدنيا ولا إلى زخارفها.

الأحد، 18 أبريل 2010

من ثمرات التلاوة

سورة الذاريات

من ثمرات التلاوة :سورة الذاريات :الحمد لله رب العالمين منزل الكتاب المبين هدى ورحمة للعالمين والصلاة والسلام على خير داع ٍ إلى الصراط المستقيم وعلى آله وأصحابه أجمعين .تبدأ السورة الكريمة بالتأكيد على حتمية الحساب يوم القيامة ، وعلى وقوع الاختلاف بين الناس في قبول الحق ورفضه وقد وعد الله المؤمنين بالجزاء الكريم وتوعد الكافرين بالعذاب الأليم .وكان القسم هو أداة التوكيد ، والمقسِم هو الله سبحانه وتعالى ، والمقسَم به مختارات مما أبدع الله في هذا الكون المنظور .وآيات السورة تهدف إلى أن يفر الناس إلى الله ربهم فهو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة ولا ينبغي أن يعوقهم عن ربهم طلب الرزق فقد تكفل الله بهذه القضية .يفرون إلى الله بالإيمان والتوحيد ، والاستسلام والانقياد ، يفرون إلى الله من إغراء الشهوات ، وتلبيس الشبهات .فلن تجد النفوس راحتها إلا في كنفه ولن تجد سعادتها إلا في رحابه .فليتجه الناس إلى ربهم إيمانا به وليكفروا بما سواه ؛ فهو وحده الخالق الذي يملك الأعمار والأرزاق . وإليه مرجع الناس وحسابهم يوم القيامة . فهو إذن المستحق للعبادة دون سواه .وتعرض الآيات صفات المتقين ولكنها تعرض الجزاء أولا ، كأن المبادرة بذكر المتقين وطمأنتهم على جزائهم محبب إلى الله الودود :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) .وهذه الصفات تشمل حب الوقوف بين يدي الله والتوبة والاستغفار والتعبد والانكسار والرحمة بعباد الله المحتاجين ومد يد العون للمحرومين .وكأن هاتين الصفتين أصل لكل صفات الخير ، وهي حسن التعامل مع الله وحسن التعامل مع الناس .وتعرض السورة لقضية الرزق :فعرضت في أولها القسم بالرياح والسفن وهي من أسباب الرزق .والرياح أحيانا تذرو فتقطع السحب وتمنع المطر ، وأحيانا تحمل السحب لينزل الغيث حيث يريد الله .وتأتي إشارة أخرى في قوله سبحانه : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ثم يعقب بالقسم توكيدا لهذا الأمر .وإشارة ثالثة بالرزق من نوع آخر وهو الرزق بالولد بعد الشيب والكبر .وإبراهيم عليه السلام لم يبخل بالرزق عن الأضياف .وفي آخر السورة : ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) .وتعرض السورة الكريمة لمصارع المكذبين ، ويأتي العرض سريعًا حسبما يقتضيه جو السورة القصيرة .ويأتي أول التكذيب على لسان فرعون ( فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ) مع أنه ليس أسبقهم زمنا ، ولكن السورة ذكرته أول المكذبين .ولعل ذلك لتطاوله الشديد ، وعلو كعبه في التكذيب !وجاء في آخر هذا المقطع :( وكذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) فكانت سمة مشتركة تمليها طبيعة الطغيان ، وتدفعهم إليها صفة العلو والمكابرة في الأرض بغير الحق .تولى بركنه ، معتمدا على جنده وسلاحه يدفعه غروره وعناده ، وليس بمعجز في الأرض .مع أن الله عز وجل أرسل إليه موسى وهارون بالآيات والسلطان المبين .فما كان جوابه إلا أن قال ساحر أو مجنون .فهل استفادوا من الآيات المتتابعة ، والحجج القاطعة التي قرعت قلوبهم وبهرت عقولهم ؟ أم هو العناد والاستكبار ؟ .
وقد جاءتهم تسع آيات بينات ، ولكن ماذا تفيد الآيات للمفسدين في الأرض ، المسرفين في الكفر المتمادين في الطغيان ؟
وقد سجل القرآن عليهم ذلك في سورة القمر ({وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ }القمر42 .وكم من فرعون يتولى بركنه ، ويقول ساحر أو مجنون !
وتتكرر النسخ المتألهة في الأزمان المتعاقبة ولم يقف أحدهم على ما حدث للفراعين السابقين ( أتواصوا به ! ) .(بل هم قوم طاغون ) .والكل يفر ولكنهم فريقان :فالمؤمنون يفرون من الله إليه .والكافرون يفرون من الله إلى غيره ، وهم في النهاية واقعون في قبضته !وتبين الآيات حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية قومه وهو يدعوهم أن يفروا إلى الله ، مع التأكيد بأنه نذير مبين .( فتول عنهم فما أنت بملوم ) فقد أدى الرسول ما عليه : بلغ الرسالة وأدى الأمانة .ولكن التذكير يستمر فإن هذه الذكرى إن لم ينتفع بها أحد فسينتفع بها المؤمنون ، الذين يفرحون بما أنزل الله إليهم مسرورين بمنهج الله الذي أنار حياتهم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام122 .{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }يونس58.ويأتي بيان الهدف من خلق الثقلين وهو أمر العبادة لله وحده ووجوب إزاحة العقبات من طريق هذا الهدف ، ومنها الانشغال بالرزق عن العبادة .وقد أتت إشارة مماثلة في سورة الجمعة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) .وفي سورة المنافقون : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) .وتختم السورة الكريمة بالوعيد الشديد للذين يصرون على الانحياز إلى طريق الكفر والبوار سواء من قريش ومَن حولَهم أو من بعدهم في الأزمان اللاحقة فسيصيبهم من العذاب كما أصاب الأقوام المذكورة في الآيات السابقة : (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) .وقد جاء في أول السورة ( إن ما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ) .وختمت بمثل هذه البداية . حيث أكد لهم وقوع العذاب في يومهم الذي يوعدون كما وقع بأمثالهم من الكافرين.والحمد لله أولا وآخرا.

الخميس، 15 أبريل 2010

سورة الصف

سورة الصف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين .
وبعد ....
تبدأ السورة الكريمة بإعلان هام وهو أن الكون كله دائم التسبيح والطاعة لله عز وجل ( سبح لله ما في السموات وما في الأرض ) .
ولفظ الماضي يفيد الثبوت الدوام .
فلا ينبغي للإنسان أن يشذ عن هذه الصورة وهو العاقل الذي كرمه الله وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه .
والله عزيز غالب قوي منيع الجانب لا يحتاج إلى أحد .
حكيم في تكليف المؤمنين بالجهاد ليقيم الملة وينصر الدين على أيديهم وهذا اختيار عن علم الله المحيط .
وفي السورة الكريمة بيان لفشل بني إسرائيل في حمل هذه الرسالة فمنهم من زاغ ومنهم من كذب ؛ فزاغت قلوبهم وصاروا فاسقين وظالمين .
فجمعت الآيتان بين أهل الكتاب والمشركين في زاوية المغلوبين أمام الإسلام ، حدث هذا من قبل وسيحدث من بعد ؛ لأن قوانين الله لا تتبدل وسننه لا تتغير .
وفي السورة تكليف مباشر للمؤمنين بالدفاع عن الدين والجهاد في سبيل الله .
وإن كانت صورة التكليف بصيغة الاستفهام المفهمة للحث والتحضيض .
فلم يأت الأمر بالجهاد هنا كما جاء في سورة التوبة ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) .
ولكن الأمر – حسب جو سورة الصف – يختلف عنه في سورة التوبة .
وواضح أن الأمة التي اختارها الله لهذه الأمانة ينبغي أن تهب لنصر الدين وبذل الغالي والرخيص في سبيل تحقيق هذا الهدف وهي راغبة مختارة .
ومراد الله أن يؤمن الناس والله عز وجل فعال لما يريد وسيحقق ما يريد على أيدي المؤمنين الذين يفهمون مراد الله ويبلغون رسالته للعالمين فمن اهتدى فلنفسه ومن عمي فعليها .
وعمادهم في ذلك إيمان بالله ورسوله وعون الله ومعيته .
وتأتي المحفزات الضخمة مصاحبة لهذا التكليف :
- بأن الله ناصر دينه رغمًا عن الكافرين من أهل الكتاب والمشركين .
- ومغفرة الذنوب وتكفير السيئات .
- وجنات تجري من تحتها الأنهار ؛ ليفيد النعيم والاسترواح .
- ومساكن طيبة .
- في جنات عدن ، وعدن تعني الإقامة الدائمة ، وكأن الآية استعاضت عن ذكر خالدين فيها أبدًا بكلمة عدن .
- ويعقب المولى سبحانه على هذا الجزاء ( ذلك الفوز العظيم ) .
- وهذا أيضا محفز كبير ؛ لأن الجزاء إذا كان عظيما بتقدير الله فهو جزاء ضخم جدا لأن مقاييس الله - سبحانه وتعالى- العليم بمقدار الجزاء وحلاوته وحقيقته أعظم من مقاييس البشر الذين لا يعلمون شيئا عن هذه الأمور إلا من الله الذي أعد هذا الجزاء .
- وثمة محفز آخر وهو الوعد بنصر من الله . فلا ينسب النصر إلينا من أي وجه ( وما النصر إلا من عند الله ) آل عمران 126.
- وفتح قريب وبشر المؤمنين ، ( هل المقصود بالفتح القريب ، فتح مكة أم فتح خيبر أم فتوح أخر ) وما أعظمها كلمة لاستمالة القلوب : وبشر المؤمنين فالمبشر به مسكوت عنه لتذهب النفس فيه كل مذهب على طريقة القرآن في الترغيب .
- وثم محفز عملي وقع بالفعل مع أتباع سيدنا عيسى عليه السلام إذ نصروا الله ورسوله فأيدهم الله على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ، وهذه الكلمة الأخيرة تعني أنهم لم يرتقوا إلى درجة النصر بعددهم وعدتهم ولكن الله عز وجل هو الذي جعلهم ظاهرين ومنتصرين ؛ فكان تأييد الله هو سبب النصر .
- ومن هذه المحفزات المهمة الأمر المباشر – وقد يكون المقصود منه الحث – ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ) وهو أمر يثير الحياء من الله عز وجل القادر العزيز الذي له جنود السموات والأرض ، ثم يدعونا - نحن عبيده الضعفاء - لينصر الدين على أيدينا ؟ . فأي شرف وأي رفعة !
- قال الحواريون نحن أنصارالله ، فكونوا – أيها المؤمنون - مستجيبين طائعين مثلهم .
ولا يفوتني أن أذكر أدب القتال كما جاء في أول السورة ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) .
لدرجة أن السورة سميت بسورة الصف ؛ لتشير إلى أهمية التآلف وتوحيد الصفوف والقلوب في مواجهة أعداء الأمة .
ولاحظ أيضا أن التكليف لم يأت بالأمر المباشر ؛ ولكن إذا علم المؤمنون أن الله يحب أمرا بادروا لتنفيذه وسارعوا إلى إنجازه .
فالمقياس ليس مجرد الثواب ، ولكن المقياس : ماذا يحب الله لنفعله ؟ .
وهؤلاء هم الذين وصلوا إلى درجة المحبة ، فلا يحبون أن ينزلوا دونها ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) البقرة165.
ألا ترى معي أن العتاب جاء في صدر السورة الكريمة لأن الله ( يحبهم ويحبونه ) ! المائدة54 .
فهذا عتاب عن محبة !
وهؤلاء الذين يحبهم الله ويحبونه يصنعهم الله على عينه ، ليجاهدوا في سبيله حتى يكون الدين كله لله ، بعد أن تولى أهل الكتاب السابقين عن نصر هذا الدين .
وهناك شبه بين موضوع السورة الكريمة وموضوع سورة البقرة :
فقد بينت سورة البقرة فشل بني إسرائيل في حمل رسالة التوحيد ، فكلف الله بها أمة الإسلام ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) البقرة143.
وكلفت المؤمنين بالقتال في قوله سبحانه : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) البقرة216 .
وشجعت المؤمنين على القتال بقصة طالوت وجالوت كما جاء الحديث هنا عن نصر الله للحواريين : ( فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على

العالمين ) البقرة251.

ولاحظ أن السورة الكريمة تسير على ثلاثة محاور تقريبًا :

- وجوب وحدة الصف .

- أمة الإسلام تحمل أمانة الدعوة بعد فشل في القيام بها بنو إسرايل .

- محفزات للعمل للإسلام والجهاد في سبيل الله .
ولاحظ اتساق أول السورة بآخرها ، ففي أول آية ( وهو العزيز الحكيم ) وفي آخرها تتمثل العزة والحكمة في نصر المؤمنين ( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين )

والحمد لله أولا وآخرا .

الاثنين، 29 مارس 2010

حقيقة الافتقار إلى الله


بقلم : حسين رضا ( إخوان أون لاين )
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..

فإن الوصول إلى الله، وقضاء لحظات العمر، وساعاته في طاعته، والجهاد في سبيله أغلى همة، شمر لها الصالحون السابقون، ومن سار على دربهم، وأبواب الوصول إلى الله كثيرة متعددة، وأعظمها شأنًا باب الفقر، والذل والانكسار على عتبات ربك سبحانه..

يقول ابن القيم رحمه الله: "بحثت عن باب أدخل منه إلى الله، فطرقت باب الصلاة فإذا عليه كثير، وطرقت باب الصيام فإذا عليه كثير، فطرقت باب الذل والافتقار فإذا هو فارغ لا يعرفه سوى القليل من عباد الله".

فاعلم أخي أنه ليس أعظم من أن تلبس ثوب الافتقار إلى ربك، فتروح إليه عابدًا خاضعًا منكسرًا معترفًا بضعفك مهما بلغت قوتك، وبعجزك مهما بلغت قدرتك، وبفقرك مهما بلغت ثروتك، وذلك مهما بلغت عزتك.

ولقد قسم علماؤنا الفقر إلى الله على نوعين "فقر اضطراري" لا خروج عنه لمسلم وكافر، أو بر وفاجر، أو صغير وكبير، أو عظيم وحقير فكل في ذلك سواء؛ وذلك لأن الله هو المالك للكون المدبر لأموره الرازق لأهله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)﴾ (العنكبوت)..﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ (الرعد: من الآية 16).

وثانيًا "فقر اختياري"، وذلك ما نحن بصدده، وهذا النوع من الافتقار والانكسار لله لا يعلنه سوى المخلصين من عباده والصالحين من خلقه؛ لأنهم عرفوا قدرة ربهم، وعظمة خالقهم، وعرفوا كذلك ضعف أنفسهم، وقلة حيلتهم فهتفت ألسنتهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله).

يقول ابن القيم رحمه الله: "من عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل"، وهذا النوع من الانكسار لله يرفع الله به من سلكه، فإذا اعترف العبد لربه بعجزه أمده ربه من قوته، وإذا اعترف لربه بقوته أغناه من فضله.

ووجب على من أراد أن يسلك ذلك الطريق أن ينظر إلى نفسه بعين الحقيقة؛ فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم، ولا يقدر، ولا يملك شيئًا، كان في مهده أفقر ما يكون لمن يضعه ويرفعه، ويسد جوعه، ويروي عطشه، ويرسم البسمة على شفاه، فكان الفقر له صفة لازمة، ولكن لما اشتد عوده وقوي ساعده، وأسبغ الله عليه نعمه، وأفاض عليه من رحمته، ومتعه بالسمع، والبصر، والقوة ورأى نفسه اخترق مجال الهواء، وغاص في أعماق الماء، وشيد القصور، ورفع البناء نسي ما كان عليه من فقر، وكأنه لم يكن هو ذاك الطفل الفقير، وكأنه ولد مقتدرًا، وجعل لربه في ملكه شريكًا وصدق الله ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾ (العلق).

ولقد كان حبيبك صلى الله عليه وسلم أصدق مثلاً، وأجلَّ صورةً في الافتقار والخضوع لربه سبحانه، وكفانا من كلامه دليلاً على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والله إني لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، فهو صلى عليه وسلم متصرف في ملك سيده لا ملكه هو، وممتحن في حق ربه لاحقه هو ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)﴾ (يونس).

ولقد كان رسل الله، وأغنياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغنياء التابعين لا يرون لأنفسهم على أحد فضلاً فطابت أنفسهم، واستحقهم عظيم الدرجات، ولله در سيدي ابن القيم رحمه الله حين قال: "من عوفي من رؤية الملك لنفسه لم يتلوث باطنه، ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملك لها فإن أُعطي رضي وإن مُنع سخط يصبح مهمومًا ويمسي كذلك، فالأول استغنى بمولاه المالك الحق، والثاني يرى استغناءه بما في يده، فالفقر بين عينه قائم، والهم بين يده أنى أصبح أو أمسى".

كيفية الوصول لذلك؟
بقي لنا أن تعرف كيفية الوصول للافتقار والانكسار على باب مولانا سبحانه، ويكون ذلك في أمور عدة أولها: أن تتفكر في قدرة ربك في كل شيء في السماء والأرض وفي أنفسكم؛ حتى تتعرف على قدرة ربك وضعف نفسك في ذلك الملكوت الرباني البديع.

ثانيًا: أن تنظر في حال أهل البلاء في المال، والصحة، والمسكن، والولد، وغيرهم فذلك كفيل أن يرجع القلب لسيده معترفًا بعظيم فضله عليه وتقصيره في حقه.

ثالثًا: جالس الفقراء والمساكين، وكن بهم رءوفًا فذلك يرقق القلب، ويجعله مرابطًا على عتبات مولاه.

رابعًا: أكثر الدعاء لربك بخضوع قلبك له، وإقباله عليه، ولا تنس دعاء حبيبك صلى الله عليه وسلم "اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين".
أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم..