الاثنين، 29 مارس 2010

حقيقة الافتقار إلى الله


بقلم : حسين رضا ( إخوان أون لاين )
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..

فإن الوصول إلى الله، وقضاء لحظات العمر، وساعاته في طاعته، والجهاد في سبيله أغلى همة، شمر لها الصالحون السابقون، ومن سار على دربهم، وأبواب الوصول إلى الله كثيرة متعددة، وأعظمها شأنًا باب الفقر، والذل والانكسار على عتبات ربك سبحانه..

يقول ابن القيم رحمه الله: "بحثت عن باب أدخل منه إلى الله، فطرقت باب الصلاة فإذا عليه كثير، وطرقت باب الصيام فإذا عليه كثير، فطرقت باب الذل والافتقار فإذا هو فارغ لا يعرفه سوى القليل من عباد الله".

فاعلم أخي أنه ليس أعظم من أن تلبس ثوب الافتقار إلى ربك، فتروح إليه عابدًا خاضعًا منكسرًا معترفًا بضعفك مهما بلغت قوتك، وبعجزك مهما بلغت قدرتك، وبفقرك مهما بلغت ثروتك، وذلك مهما بلغت عزتك.

ولقد قسم علماؤنا الفقر إلى الله على نوعين "فقر اضطراري" لا خروج عنه لمسلم وكافر، أو بر وفاجر، أو صغير وكبير، أو عظيم وحقير فكل في ذلك سواء؛ وذلك لأن الله هو المالك للكون المدبر لأموره الرازق لأهله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)﴾ (العنكبوت)..﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ (الرعد: من الآية 16).

وثانيًا "فقر اختياري"، وذلك ما نحن بصدده، وهذا النوع من الافتقار والانكسار لله لا يعلنه سوى المخلصين من عباده والصالحين من خلقه؛ لأنهم عرفوا قدرة ربهم، وعظمة خالقهم، وعرفوا كذلك ضعف أنفسهم، وقلة حيلتهم فهتفت ألسنتهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله).

يقول ابن القيم رحمه الله: "من عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل"، وهذا النوع من الانكسار لله يرفع الله به من سلكه، فإذا اعترف العبد لربه بعجزه أمده ربه من قوته، وإذا اعترف لربه بقوته أغناه من فضله.

ووجب على من أراد أن يسلك ذلك الطريق أن ينظر إلى نفسه بعين الحقيقة؛ فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم، ولا يقدر، ولا يملك شيئًا، كان في مهده أفقر ما يكون لمن يضعه ويرفعه، ويسد جوعه، ويروي عطشه، ويرسم البسمة على شفاه، فكان الفقر له صفة لازمة، ولكن لما اشتد عوده وقوي ساعده، وأسبغ الله عليه نعمه، وأفاض عليه من رحمته، ومتعه بالسمع، والبصر، والقوة ورأى نفسه اخترق مجال الهواء، وغاص في أعماق الماء، وشيد القصور، ورفع البناء نسي ما كان عليه من فقر، وكأنه لم يكن هو ذاك الطفل الفقير، وكأنه ولد مقتدرًا، وجعل لربه في ملكه شريكًا وصدق الله ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾ (العلق).

ولقد كان حبيبك صلى الله عليه وسلم أصدق مثلاً، وأجلَّ صورةً في الافتقار والخضوع لربه سبحانه، وكفانا من كلامه دليلاً على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والله إني لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، فهو صلى عليه وسلم متصرف في ملك سيده لا ملكه هو، وممتحن في حق ربه لاحقه هو ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)﴾ (يونس).

ولقد كان رسل الله، وأغنياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغنياء التابعين لا يرون لأنفسهم على أحد فضلاً فطابت أنفسهم، واستحقهم عظيم الدرجات، ولله در سيدي ابن القيم رحمه الله حين قال: "من عوفي من رؤية الملك لنفسه لم يتلوث باطنه، ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملك لها فإن أُعطي رضي وإن مُنع سخط يصبح مهمومًا ويمسي كذلك، فالأول استغنى بمولاه المالك الحق، والثاني يرى استغناءه بما في يده، فالفقر بين عينه قائم، والهم بين يده أنى أصبح أو أمسى".

كيفية الوصول لذلك؟
بقي لنا أن تعرف كيفية الوصول للافتقار والانكسار على باب مولانا سبحانه، ويكون ذلك في أمور عدة أولها: أن تتفكر في قدرة ربك في كل شيء في السماء والأرض وفي أنفسكم؛ حتى تتعرف على قدرة ربك وضعف نفسك في ذلك الملكوت الرباني البديع.

ثانيًا: أن تنظر في حال أهل البلاء في المال، والصحة، والمسكن، والولد، وغيرهم فذلك كفيل أن يرجع القلب لسيده معترفًا بعظيم فضله عليه وتقصيره في حقه.

ثالثًا: جالس الفقراء والمساكين، وكن بهم رءوفًا فذلك يرقق القلب، ويجعله مرابطًا على عتبات مولاه.

رابعًا: أكثر الدعاء لربك بخضوع قلبك له، وإقباله عليه، ولا تنس دعاء حبيبك صلى الله عليه وسلم "اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين".
أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم..

الأربعاء، 24 مارس 2010

الكبر والعجب

احذروا الْكِبْرِ وَالْإِعْجَابِ : من جواهر الحكم ( تابع الدورة النفسية )

لِأَنَّهُمَا يَسْلُبَانِ الْفَضَائِلَ ، وَيُكْسِبَانِ الرَّذَائِلَ .
وَلَيْسَ لِمَنْ اسْتَوْلَيَا عَلَيْهِ إصْغَاءٌ لِنُصْحٍ ، وَلَا قَبُولٌ لِتَأْدِيبٍ ؛ لِأَنَّ الْكِبْرَ يَكُونُ بِالْمَنْزِلَةِ ، وَالْعُجْبَ يَكُونُ بِالْفَضِيلَةِ .
فَالْمُتَكَبِّرُ يُجِلُّ نَفْسَهُ عَنْ رُتْبَةِ الْمُتَعَلِّمِينَ ، وَالْمُعْجَبُ يَسْتَكْثِرُ فَضْلَهُ عَنْ اسْتِزَادَةِ الْمُتَأَدِّبِينَ .
فَلِذَلِكَ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْقَوْلِ فِيهِمَا بِإِبَانَةِ مَا يُكْسِبَانِهِ مِنْ ذَمٍّ ، وَيُوجِبَانِهِ مِنْ لَوْمٍ .
فَنَقُولُ : أَمَّا الْكِبْرُ فَيُكْسِبُ الْمَقْتَ وَيُلْهِي عَنْ التَّأَلُّفِ وَيُوغِرُ صُدُورَ الْإِخْوَانِ ، وَحَسْبُك بِذَلِكَ سُوءًا عَنْ اسْتِقْصَاءِ ذَمِّهِ .
وَلِذَلِكَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَنْهَاك عَنْ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَالْكِبْرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَحْتَجِبُ مِنْهُمَا } .
وَقَالَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ : مَا الْكِبْرُ إلَّا فَضْلُ حُمْقٍ لَمْ يَدْرِ صَاحِبُهُ أَيْنَ يَذْهَبُ بِهِ فَيَصْرِفُهُ إلَى الْكِبْرِ .
وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِالْحَقِّ .
وَحُكِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ نَظَرَ إلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ يَسْحَبُهَا وَيَمْشِي الْخُيَلَاءَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا هَذِهِ الْمِشْيَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؟ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ : أَمَا تَعْرِفُنِي ؟ فَقَالَ : بَلْ أَعْرِفُك ، أَوَّلُك نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ ، وَآخِرُك جِيفَةٌ قَذِرَةٌ ، وَحَشْوُك فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بَوْلٌ وَعَذِرَةٌ .
فَأَخَذَ ابْنُ عَوْفٍ هَذَا الْكَلَامَ فَنَظَمَهُ شِعْرًا فَقَالَ :
عَجِبْتُ مِنْ مُعْجَبٍ بِصُورَتِهِ وَكَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً مَذِرَهْ
وَفِي غَدٍ بَعْدَ حُسْنِ صُورَتِهِ يَصِيرُ فِي اللَّحْدِ جِيفَةً قَذِرَهْ
وَهُوَ عَلَى تِيهِهِ وَنَخْوَتِهِ مَا بَيْنَ ثَوْبَيْهِ يَحْمِلُ الْعَذِرَهْ
وَقَدْ كَانَ الْمُهَلَّبُ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَخْدَعَ نَفْسَهُ بِهَذَا الْجَوَابِ غَيْرِ الصَّوَابِ ، وَلَكِنَّهَا زَلَّةٌ مِنْ زَلَّاتِ
الِاسْتِرْسَالِ ، وَخَطِيئَةٌ مِنْ خَطَايَا الْإِدْلَالِ .
فَأَمَّا الْحُمْقُ الصَّرِيحُ ، وَالْجَهْلُ الْقَبِيحُ ، فَهُوَ مَا حُكِيَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ جَلَسَ فِي حَلْقَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ يُقْرِئُ النَّاسَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ جَلَسْتُ إلَيْكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْتَ لِتَسْمَعَ .
قَالَ : لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَتَوَاضَعَ لِلَّهِ بِالْجُلُوسِ إلَيْكُمْ .
فَهَلْ يُرْجَى مِنْ هَذَا فَضْلٌ أَوْ يَنْفَعُ فِيهِ عَذَلٌ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ : لَمَّا عَرَفَ أَهْلُ النَّقْصِ حَالَهُمْ عِنْدَ ذَوِي الْكَمَالِ اسْتَعَانُوا بِالْكِبْرِ لِيُعَظِّمَ صَغِيرًا ، وَيَرْفَعَ حَقِيرًا ، وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ .
وَأَمَّا الْإِعْجَابُ فَيُخْفِي الْمَحَاسِنَ وَيُظْهِرُ الْمَسَاوِئَ وَيُكْسِبُ الْمَذَامَّ وَيَصُدُّ عَنْ الْفَضَائِلِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْعُجْبَ لَيَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ } .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ : الْإِعْجَابُ ضِدُّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الْأَلْبَابِ .
وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرُ : النِّعْمَةُ الَّتِي لَا يُحْسَدُ صَاحِبُهَا عَلَيْهَا التَّوَاضُعُ ، وَالْبَلَاءُ الَّذِي لَا يُرْحَمُ صَاحِبُهُ مِنْهُ الْعُجْبُ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ .
وَلَيْسَ إلَى مَا يُكْسِبُهُ الْكِبْرُ مِنْ الْمَقْتِ حَدٌّ ، وَلَا إلَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْعُجْبُ مِنْ الْجَهْلِ غَايَةٌ ، حَتَّى إنَّهُ لَيُطْفِئَ مِنْ الْمَحَاسِنِ مَا انْتَشَرَ ، وَيَسْلُبَ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا اشْتَهَرَ .
وَنَاهِيَك بِسَيِّئَةٍ تُحْبِطُ كُلَّ حَسَنَةٍ وَبِمَذَمَّةِ تَهْدِمُ كُلَّ فَضِيلَةٍ ، مَعَ مَا يُثِيرُهُ مِنْ حَنَقٍ وَيُكْسِبُهُ مِنْ حِقْدٍ .
حَكَى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ : قِيلَ لِلْحَجَّاجِ كَيْفَ وَجَدْت مَنْزِلَك بِالْعِرَاقِ ؟ قَالَ : خَيْرُ مَنْزِلٍ لَوْ كَانَ اللَّهُ بَلَّغَنِي قَتْلَ أَرْبَعَةٍ فَتَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بِدِمَائِهِمْ : مُقَاتِلُ بْنُ مُسْمِعٍ وَلِي سِجِسْتَانَ فَأَتَاهُ النَّاسُ
فَأَعْطَاهُمْ الْأَمْوَالَ ، فَلَمَّا عُزِلَ دَخَلَ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ فَبَسَطَ النَّاسُ لَهُ أَرْدِيَتَهُمْ فَمَشَى عَلَيْهَا ، وَقَالَ لِرَجُلٍ يُمَاشِيهِ : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ .
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ التَّيْمِيُّ خَوَّفَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَمْرٌ فَخَطَبَ خُطْبَةً أَوْجَزَ فِيهَا ، فَنَادَى النَّاسُ مِنْ أَعْرَاضِ الْمَسْجِدِ : أَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا مِثْلَك .
فَقَالَ : لَقَدْ كَلَّفْتُمْ اللَّهَ شَطَطًا .
وَمَعْبَدُ بْنُ زُرَارَةَ كَانَ ذَات يَوْمٍ جَالِسًا فِي طَرِيقٍ فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى مَوْضِعِ كَذَا ؟ فَقَالَ : يَا هَنَاهُ مِثْلِي يَكُونُ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ .
وَأَبُو شِمَالٍ الْأَسَدِيُّ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ فَالْتَمَسَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوهَا ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ إنْ لَمْ يَرُدَّ إلَيَّ رَاحِلَتِي لَا صَلَّيْتُ لَهُ صَلَاةً أَبَدًا .
فَالْتَمَسَهَا النَّاسُ فَوَجَدُوهَا ، فَقَالُوا لَهُ : قَدْ رَدَّ اللَّهُ رَاحِلَتَك فَصَلِّ .
فَقَالَ : إنَّ يَمِينِي يَمِينُ مُصِرٍّ .
فَانْظُرْ إلَى هَؤُلَاءِ كَيْفَ أَفْضَيْ بِهِمْ الْعُجْبُ إلَى حُمْقٍ صَارُوا بِهِ نَكَالًا فِي الْأَوَّلِينَ ، وَمَثَلًا فِي الْآخَرِينَ .
وَلَوْ تَصَوَّرَ الْمُعْجَبُ الْمُتَكَبِّرُ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنْ جِبِلَّةٍ ، وَبُلِيَ بِهِ مِنْ مِهْنَةٍ ، لَخَفَضَ جَنَاحَ نَفْسِهِ وَاسْتَبْدَلَ لِينًا مِنْ عُتُوِّهِ ، وَسُكُوتًا مِنْ نُفُورِهِ .
وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ : عَجِبْتُ لِمَنْ جَرَى فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ ، وَقَدْ وَصَفَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ الْإِنْسَانَ فَقَالَ : يَا مُظْهِرَ الْكِبْرِ إعْجَابًا بِصُورَتِهِ اُنْظُرْ خَلَاكَ فَإِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيبُ لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمْ مَا اسْتَشْعَرَ الْكِبْرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيبُ هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلُ الرَّأْسِ مَكْرُمَةً وَهُوَ بِخَمْسٍ مِنْ الْأَقْذَارِ مَضْرُوبُ أَنْفٌ يَسِيلُ وَأُذْنٌ رِيحُهَا سَهِكٌ وَالْعَيْنُ مُرْفَضَّةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُوبُ يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأْكُولَ التُّرَابِ غَدًا أَقْصِرْ فَإِنَّك مَأْكُولٌ وَمَشْرُوبُ وَأَحَقُّ مَنْ كَانَ
لِلْكِبْرِ مُجَانِبًا ، وَلِلْإِعْجَابِ مُبَايِنًا ، مَنْ جَلَّ فِي الدُّنْيَا قَدْرُهُ ، وَعَظُمَ فِيهَا خَطَرُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ بِعَالِي هِمَّتِهِ كُلَّ كَثِيرٍ ، وَيَسْتَصْغِرُ مَعَهَا كُلَّ كَبِيرٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ : لَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيفِ أَنْ يَرَى شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطِيرًا فَيَكُونُ بِهَا نَابِهًا .
وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى : تَوَاضُعُك فِي شَرَفِك أَشْرَفُ لَك مِنْ شَرَفِك .
وَكَانَ يُقَالُ : اسْمَانِ مُتَضَادَّانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ : التَّوَاضُعُ وَالشَّرَفُ .
وَلِلْكِبْرِ أَسْبَابٌ : فَمِنْ أَقْوَى أَسْبَابِهِ عُلُوُّ الْيَدِ ، وَنُفُوذُ الْأَمْرِ ، وَقِلَّةُ مُخَالَطَةِ الْأَكْفَاءِ .
وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا مَشَوْا خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَبْعِدُوا عَنِّي خَفْقَ نِعَالِكُمْ فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِقُلُوبِ نَوْكَى الرِّجَالِ .
وَمَشَوْا خَلْفَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ ارْجِعُوا فَإِنَّهَا زِلَّةٌ لِلتَّابِعِ وَفِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ .
وَرَوَى قَيْسُ بْنُ حَازِمٍ { أَنَّ رَجُلًا أُتِيَ بِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَابَتْهُ رِعْدَةٌ ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَوِّنْ عَلَيْك فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ } .
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْمًا لِمَوَادِّ الْكِبْرِ ، وَقَطْعًا لِذَرَائِعِ الْإِعْجَابِ ، وَكَسْرًا لِأَشَرِ النَّفْسِ ، وَتَذْلِيلًا لِسَطْوَةِ الِاسْتِعْلَاءِ .
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَادَى الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَرْعَى عَلَى خَالَاتِ لِي مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَيَقْبِضُ لِي الْقَبْضَةَ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَأَظَلُّ الْيَوْمَ وَأَيَّ يَوْمٍ .
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ قَصَّرْتَ بِنَفْسِك
.
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَيْحَك يَا ابْنَ عَوْفٍ إنِّي خَلَوْت فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي ، فَقَالَتْ أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ ذَا أَفْضَلُ مِنْك فَأَرَدْتُ أَنْ أُعَرِّفَهَا نَفْسَهَا .
وَلِلْإِعْجَابِ أَسْبَابٌ : فَمِنْ أَقْوَى أَسْبَابِهِ كَثْرَةُ مَدِيحِ الْمُتَقَرِّبِينَ وَإِطْرَاءِ الْمُتَمَلِّقِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّفَاقَ عَادَةً وَمَكْسَبًا ، وَالتَّمَلُّقَ خَدِيعَةً وَمَلْعَبًا ، فَإِذَا وَجَدُوهُ مَقْبُولًا فِي الْعُقُولِ الضَّعِيفَةِ أَغْرَوْا أَرْبَابَهَا بِاعْتِقَادِ كَذِبِهِمْ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُزَكِّي رَجُلًا فَقَالَ لَهُ : قَطَعْتَ مَطَاهُ لَوْ سَمِعَهَا مَا أَفْلَحَ بَعْدَهَا } .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَدْحُ ذَبْحُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ : قَابِلُ الْمَدْحِ كَمَادِحِ نَفْسِهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَنْ رَضِيَ أَنْ يُمْدَحَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ أَمْكَنَ السَّاخِرَ مِنْهُ .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ إنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا } .
وَقِيلَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ : عَجِبْت لِمَنْ قِيلَ فِيهِ الْخَيْرُ وَلَيْسَ فِيهِ كَيْفَ يَفْرَحُ ، وَعَجِبْت لِمَنْ قِيلَ فِيهِ الشَّرُّ وَهُوَ فِيهِ كَيْفَ يَغْضَبُ .
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : يَا جَاهِلًا غَرَّهُ إفْرَاطُ مَادِحِهِ لَا يَغْلِبَنَّ جَهْلُ مَنْ أَطْرَاك عِلْمُك بِك
أَثْنَى وَقَالَ بِلَا عِلْمٍ أَحَاطَ بِهِ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْمَحْصُولِ مِنْ رِيَبِك
وَهَذَا أَمْرٌ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَسْتَفِزَّهَا ، وَيَمْنَعَهَا مِنْ تَصْدِيقِ الْمَدْحِ لَهَا ، فَإِنَّ لِلنَّفْسِ مَيْلًا لِحُبِّ الثَّنَاءِ وَسَمَاعِ الْمَدْحِ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : يَهْوَى الثَّنَاءَ مُبَرِّزٌ وَمُقَصِّرٌ حُبُّ الثَّنَاءِ طَبِيعَةُ الْإِنْسَانِ فَإِذَا سَامَحَ
نَفْسَهُ فِي مَدْحِ الصَّبْوَةِ ، وَتَابَعَهَا عَلَى هَذِهِ الشَّهْوَةِ ، تَشَاغَلَ بِهَا عَنْ الْفَضَائِلِ الْمَمْدُوحَةِ ، وَلَهَا بِهَا عَنْ الْمَحَاسِنِ الْمَمْنُوحَةِ ، فَصَارَ الظَّاهِرُ مِنْ مَدْحِهِ كَذِبًا ، وَالْبَاطِنُ مِنْ ذَمِّهِ صِدْقًا ، وَعِنْدَ تَقَابُلِهِمَا يَكُونُ الصِّدْقُ أَلْزَمَ الْأَمْرَيْنِ .
وَهَذِهِ خُدْعَةٌ لَا يَرْتَضِيهَا عَاقِلٌ وَلَا يَنْخَدِعُ بِهَا مُمَيِّزٌ .
وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْمُتَقَرِّبَ بِالْمَدْحِ يُسْرِفُ مَعَ الْقَبُولِ وَيَكُفُّ مَعَ الْإِبَاءِ ، فَلَا يَغْلِبُهُ حُسْنُ الظَّنِّ عَلَى تَصْدِيقِ مَدْحٍ هُوَ أَعْرَفُ بِحَقِيقَتِهِ وَلْتَكُنْ تُهْمَةُ الْمَادِحِ أَغْلَبَ عَلَيْهِ .
فَقَلَّ مَدْحٌ كَانَ جَمِيعُهُ صِدْقًا ، وَقَلَّ ثَنَاءٌ كَانَ لَهُ حَقًّا .
وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَهْلُ الْفَضْلِ أَنْ يُطْلِقُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ تَحَرُّزًا مِنْ التَّجَاوُزِ فِيهِ ، وَتَنْزِيهًا عَنْ التَّمَلُّقِ بِهِ .
وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَكُونُوا عَيَّابِينَ وَلَا تَكُونُوا لَعَّانِينَ وَلَا مُتَمَادَحِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ } .
وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إذَا مُدِحَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَحْسَبُونَ وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ ، وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ .
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فِعَالِهِ فَمَادِحُهُ يَهْذِي وَإِنْ كَانَ مُفْصِحَا وَرُبَّمَا آلَ حُبُّ الْمَدْحِ بِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ مَادِحَ نَفْسِهِ ، إمَّا لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ غَفَلُوا عَنْ فَضْلِهِ ، وَأَخَلُّوا بِحَقِّهِ .
وَإِمَّا لِيَخْدَعَهُمْ بِتَدْلِيسِ نَفْسِهِ بِالْمَدْحِ وَالْإِطْرَاءِ ، فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ مُتَّبَعٌ ، وَصِدْقٌ مُسْتَمَعٌ .
وَإِمَّا لِتَلَذُّذِهِ بِسَمَاعِ الثَّنَاءِ وَسُرُورِ نَفْسِهِ بِالْمَدْحِ وَالْإِطْرَاءِ ، مَا يَتَغَنَّى بِنَفْسِهِ طَرَبًا إذَا لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا مُطْرِبًا وَلَا غِنَاءً مُمْتِعًا .
وَلِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ فَهُوَ الْجَهْلُ الصَّرِيحُ ، وَالنَّقْصُ الْفَضِيحُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : وَمَا شَرَفٌ أَنْ يَمْدَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَلَكِنَّ أَعْمَالًا تَذُمُّ وَتَمْدَحُ وَمَا كُلُّ حِينٍ يَصْدُقُ الْمَرْءُ ظَنُّهُ وَلَا كُلُّ أَصْحَابِ التِّجَارَةِ يَرْبَحُ وَلَا كُلُّ مَنْ تَرْجُو لِغَيْبِك حَافِظًا وَلَا كُلُّ مَنْ ضَمَّ الْوَدِيعَةَ يَصْلُحُ وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَسْتَرْشِدَ إخْوَانَ الصِّدْقِ الَّذِينَ هُمْ أَصْفِيَاءُ الْقُلُوبِ ، وَمُرَائِي الْمَحَاسِنِ وَالْعُيُوبِ ، عَلَى مَا يُنَبِّهُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَسَاوِئِهِ الَّتِي صَرَفَهُ حَسَنُ الظَّنِّ عَنْهَا .
فَإِنَّهُمْ أَمْكَنُ نَظَرًا ، وَأَسْلَمُ فِكْرًا ، وَيَجْعَلُونَ مَا يُنَبِّهُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَسَاوِئِهِ عِوَضًا عَنْ تَصْدِيقِ الْمَدْحِ فِيهِ .
وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ إذَا رَأَى فِيهِ عَيْبًا أَصْلَحَهُ } .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إلَيْنَا مَسَاوِئَنَا .
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ : أَتُحِبُّ أَنْ تُهْدَى إلَيْك عُيُوبُك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مِنْ نَاصِحٍ .
وَمِمَّا يُقَارِبُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَنْ تَرَى أَنْ نُوَلِّيَهُ حِمْصَ ؟ فَقَالَ : رَجُلًا صَحِيحًا مِنْك ، صَحِيحًا لَك .
قَالَ : تَكُونُ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ .
قَالَ : لَا تَنْتَفِعُ بِي مَعَ سُوءِ ظَنِّي بِك وَسُوءِ ظَنِّك بِي .
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : مَنْ أَظْهَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ فَقَدْ زَكَّاهَا .
فَإِذَا قَطَعَ أَسْبَابَ الْكِبْرِ وَحَسَمَ مَوَادَّ الْعُجْبِ اعْتَاضَ بِالْكِبْرِ تَوَاضُعًا وَبِالْعُجْبِ تَوَدُّدًا .
وَذَلِكَ مِنْ أَوْكَدَ أَسْبَابِ الْكَرَامَةِ وَأَقْوَى مَوَادِّ النِّعَمِ وَأَبْلَغِ شَافِعٍ إلَى الْقُلُوبِ يَعْطِفُهَا إلَى الْمَحَبَّةِ وَيُثْنِيهَا عَنْ الْبُغْضِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَنْ بَرِئَ مِنْ ثَلَاثٍ نَالَ ثَلَاثًا : مَنْ بَرِئَ مِنْ السَّرَفِ نَالَ الْعِزَّ .
وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَفَ .
وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْكِبْرِ نَالَ الْكَرَامَةَ .
وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ : التَّوَاضُعُ مَصَائِدُ الشَّرَفِ .
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : مَنْ دَامَ تَوَاضُعُهُ كَثُرَ صَدِيقُهُ .
وَقَدْ تُحْدِثُ الْمَنَازِلُ وَالْوِلَايَاتُ لِقَوْمٍ أَخْلَاقًا مَذْمُومَةً يُظْهِرُهَا سُوءُ طِبَاعِهِمْ ، وَلِآخَرِينَ فَضَائِلَ مَحْمُودَةً يَبْعَثُ عَلَيْهَا زَكَاءُ شِيَمِهِمْ ؛ لِأَنَّ تَقَلُّبَ الْأَحْوَالِ سَكَرَةٌ تُظْهِرُ مِنْ الْأَخْلَاقِ مَكْنُونَهَا ، وَمِنْ السَّرَائِرِ مَخْزُونَهَا ، لَا سِيَّمَا إذَا هَجَمَتْ مِنْ غَيْرِ تَدْرِيجٍ وَطَرَقَتْ مِنْ غَيْرِ تَأَهُّبٍ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ تُعْرَفُ جَوَاهِرُ الرِّجَالِ .
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ : مَنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ فَوْقَ قُدْرَةٍ تَكَبَّرَ لَهَا ، وَمَنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ دُونَ قُدْرَةٍ تَوَاضَعَ لَهَا .
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : النَّاسُ فِي الْوِلَايَةِ رَجُلَانِ : رَجُلٌ يُجِلُّ الْعَمَلَ بِفَضْلِهِ وَمُرُوءَتِهِ ، وَرَجُلٌ يَجِلُّ بِالْعَمَلِ لِنَقْصِهِ وَدَنَاءَتِهِ .
فَمَنْ جَلَّ عَنْ عَمَلِهِ ازْدَادَ بِهِ تَوَاضُعًا وَبِشْرًا ، وَمَنْ جَلَّ عَنْهُ عَمَلُهُ ازْدَادَ بِهِ تَجَبُّرًا وَتَكَبُّرًا .
وقالوا :
احذروا مجالسة الصادقين ؛ فإنهم يدخلون القلوب ويخرجون من حيث لا تشعرون !

الثلاثاء، 23 مارس 2010

سورة يونس




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين .
وبعد ...
بعد تلاوة السورة وتدبرها بصورة عامة :
كأن السورة الكريمة تتكلم عن القرآن والوحي والرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم وعن مقابلة المشركين للرسالة وتكذيبهم .
كما تتكلم عن آثار الله في الكون وعظمته سبحانه وفضله على عباده ، فهو الودود المتودد إلى عباده بسائر النعم القيوم القائم على شؤون العباد . (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) .
فهو سبحانه أحق أن يعبد لا غيره . ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3)
والسورة الكريمة تناقش المعاندين والكافرين ثم تعرض نعم الله وآلاءه على خلقه بعد كل نقاش عن العقيدة والإسلام لعلهم بذكر النعم يعترفون ، وإلى طريق الله يعودون .
يتم هذا العرض بصورة تذوب لها النفس حياء من كثرة النعم والتفضل وما يقابله ذلك من الإعراض وقلة الاكتراث ومن ثم عدم الإيمان .
- إن اللفتات التي وردت في السورة عن الفضل والجزاء العظيم للمؤمنين قد لا تجد له مثيلا في سورة أخرى بهذا الطعم وذاك الأسلوب :
الآيات / 9- 10 – 26 – 62 -63 -64 -98 -103
- إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)
- لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) .
- ألَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) .
- فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) .
- ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103).
- إن المؤمن ليعتبر نعمة الإيمان والقرآن ورسالة الإسلام هي أعظم نعمة وأشرف منة تفضل الله بها على العباد .
- والمؤمنون يفرحون بهذه النعمة ويعدونها خيرا من كل متاع مادي زائل فهي التي نقلتهم من سفح الجاهلية ووهدة الانحطاط إلى قمة الإيمان وكرامة الإنسان .
- وتأتي آيةعجيبة عن المراقبة الشاملة المحيطة من الله سبحانه لعباده وأعمالهم ترتجف لها كل ذرة في كيان الإنسان :
- وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) .
هذه الآية التي تمثل بها أولياء الله فنالهم عظيم الجزاء والتكريم .

- وآيات السورة الكريمة تبين الحق وتجليه وتثبته بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) .
وبعد أن جلت السورة الحق وصار واضحا ولا سبيل إلى نكرانه يأتي في نهاية السورة الكريمة : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)
وليس الرسول موكلاً بالناس يسوقهم إلى الهدى سوقاً ، ويحملهم على الإيمان قسرا ، إنما هو مبلغ ، وهم موكولون إلى إرادتهم وإلى اختيارهم فإن آمنوا فذلك ما يريده الله لهم وإن كفروا فذلك ما يريدونه لأنفسهم .
وماذا يفعل الرسول إذا لم يؤمنوا ؟ .
وماذا يفعل المؤمن إذا لم يتبع الناس الحق ، واتخذوا طريق الغي سبيلا ؟ .
ماذا يفعل إذا قل المستجيبون وكثر المعاندون ؟ .
ماذا يفعل إذا زوقوا الباطل وشوهوا الحق ؟ .
يأتي الرد من القرآن :
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109) .
اصبر عليهم وأمهلهم وأعطهم الفرص تلو الفرص ؛ لأن مراد الله أن يؤمن الناس ويدخلوا الجنة . ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .
والرسول وأتباعه من المؤمنين يفهمون مراد الله فيصبرون ويتحملون حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .
وكان التعقيب على قصة نوح في سورة هود : ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) .
وفي سورة القلم تعقيبا على قصة يونس : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ) .
ومن أجل هذا التحمل وهذا الصبر كان الرسل وأتباعهم من الدعاة هم ذؤابة البشرية وذروتها ؛ لأن الله يحقق بهم مراده في دنيا الناس ولأنهم يعرفون الله ويحبونه ويعبدونه ولأنهم يريدون النجاة للناس أجمعين .

فإن قيل وما الحكمة في أن حملت السورة الكريمة هذا الاسم ؟ .
قد يكون – والله أعلم – إغراء لقريش وغيرها من المشركين كي يؤمنوا لصيبهم ما أصاب قوم يونس من الخير في الدنيا معجلا وما وعدوا من رضا الله والجنة مؤجلا :
(فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) .
والحمد لله أولا وآخرا .

الثلاثاء، 16 مارس 2010

خواطر من سورة نوح

تدبر في سورة نوح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد .. بسم الله الرحمن الرحيم

هدف السورة كما هو هدف الجزء كله : الدعوة إلى الله .

وهي هنا تتناول الداعي ووسائل الدعوة . ..

شأن السور المكية أن تهتم بقضية التوحيد والتذكير بنعم الله سبحانه وتعالى على العباد – ولفت النظر إلى مظاهر قدرته في الكون .

لكن هذه السورة تزيد عن مثيلاتها في شيئين هما : 1 -

· كثرة المحفزات والمغريات وقلة التهديد والوعيد

· طول أمد الدعوة التي استمرت لعدة قرون

وقت نزول هذه السورة الكريمة 2-

كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤذى وينكل بأصحابه ، ويشتد بهم الإيذاء وكان لهم في قصة سيدنا نوح المثل والأسوة ؛ ليصبروا ويصابروا ويثبتوا ويرابطوا، ليس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقط بل على مدار الزمان الطويل الذي تعيشه أمته .

مظاهر الرحمة في السورة الكريمة 3 -

- رحمة الله التي تتجلى في حرص الله تعالى على إرسال الرسل كي لا يمسهم العذاب الأليم : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) .

( إنه كان غفارًا ...لتسلكوا منها سبلا فجاجًا ) . : وهذا الترغيب الموسع لإطماعهم وجذبهم إلى صفوف الإيمان

4 - الرسل والدعاة يفهمون مراد الله ( أن يؤمن الناس ويخرجوا من دائرة غضب الله وعذابه ) من أجل ذلك يصبرون على أقوامهم ويتحملون كل أنواع التضحيات .

5 - الرسل والدعاة يلجون كل طريق ، ويسلكون كل سبيل ، ويتخذون كل الوسائل المشروعة من أجل دعوة الناس إلى دين الله عز وجل .

الدعوة سرًا وجهرًا : ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ... ثم إني دعوتهم جهارا ثم أني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا ) .

تنويع الأسلوب : أسلوب الاستفهام : ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقًا وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا )

وأسلوب التقرير : (والله أنبتكم من الأرض نباتًا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا ، والله جعل لكم الأرض بساطًا لتسلكوا منها سبلا فجاجًا ).

بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا 6 -

هل هذه البشرية تستحق كل هذا الإغراء وكل هذا الصبر وكل هذا الجهد الضخم من إرسال الرسل في كل زمان ومكان وبذل النفوس والأموال وأصناف التضحيات وهم الذين يكفرون ويسفكون الدماء ويفسدون في الأرض ؟ . .

إن هذه الثلة المؤمنة التي يتشرف بها كل زمان ومكان والتي ينعم الله عليها ويثبتها على دينها ، والتي اصطفاها الله تعالى لنشر تلك الدعوة وحمل هذه الرسالة في العالمين، هذه الفئة المؤمنة التي يحفظ الله بها الذكر والقرآن والإسلام لتكون ترجمة عملية لهذا الدين هي التي تجعل البشرية تستحق هذا الكرم وذاك الفضل من الله .

لأنهم يتحملون مواجهة الباطل بأشكاله المختلفة عسكريا كان أو ثقافيا أو اقتصاديا ، يتحملون إنفاق المال وبذل النفوس ، وبذل كل ما في الوسع والطاقة، بل ويتحملون ما فوق طاقتهم حبا في دينهم وحبا لربهم .

كما أن الهدف الذي قام من أجله هؤلاء الدعاء يستحق هذا الجهد وهو استقرار حقيقة عبادة الله وحده على وجه هذه الأرض .

عاقبة الشر : ( قال نوح رب إنهم عصوني ....فأدخلوا نارًا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا ) . 7 -

إذا تمحض الشر وصار خالصا ، وخلع عن كاهله كل ثياب الخير ، وأصبح الخير عاجزًا عن جذبه إلى صف الإيمان ولم يستطع المؤمنون الدفاع عن أنفسهم و دينهم يتدخل الله عز وجل بقوته المطلقة وقدرته الفائقة ليريح الأرض ومن عليها من الفساد

والمفسدين .

.{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الأحزاب62.

8 - وفي عرض مصير الكافرين من قوم نوح موعظة بالغة لمشركي مكة ، حتى لا يدركهم هذا المصير الأليم .

9 - وفي نفس الوقت فيه إيناس للمؤمنين وتطييب لخاطرهم بعد أن ضاقت صدورهم بأذى المشركين وصلف المعاندين .

10 سرعة استجابة سيدنا نوح لأمر ربه :

( أن أنذر قومك ... قال يا قوم ) . وفيه تعليم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم كي يستجيب بهذه السرعة في دعوة قومه .

11 - نجاة المؤمنين وسعادتهم . هلاك الكافرين وشقاوتهم .

لمحات بلاغية :

أن أنذر قومك : أضافهم إليه لبيان مدى ارتباطه بهم ووجوب خوفه عليهم وحرصه على هدايتهم فهم يستحقون ذلك منه ؛ لإنهم أقاربه وأصدقاؤه ومعارفه وأصهاره .

فهم نوح هذا التوجيه فقال : يا قوم ِ إني لكم نذير مبين.

ولم يأت بحرف العطف هنا ؛ ليبين مدي السرعة .

وأتى بحرف العطف ثم الذي يفيد التراخي مع آيات الدعوة :

( ثم إني دعوتهم جهارًا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا ) .

وذلك ليبين صبر نوح عليهم وطول نفسه معهم .

بينما جاءت الفاء ( فقلت استغفروا ربكم ) ليبين لهفته إلى دعوتهم إلى الله .

شعبان شحاته : مدونة تدبر القرآن .


الأحد، 14 مارس 2010

لا غنى لنا عن الله

الأعراف :
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

إلا أن يشاء الله ) فنحن لا نملك أن نثبت على ملة الإسلام إلا بتوفيق الله فقط .
ربنا : فالتعرض لعنوان ربوبيته يطمع بأنه سبحانه لا يردهم إلى الكفر .
وبقوله تعالى : ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) التوبة .
ثم إن الله – تعالى - قد نجانا من الكفر برحمته أفيعيدنا إليه مرة أخرى وهو الرب الكريم الرحيم .
{ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } فهو محيطٌ بكل ما كان وما سيكون من الأشياء التي من جملتها أحوالُ عبادِه وعزائمُهم ونياتُهم وما هو اللائقُ بكل واحدٍ منهم .
ويعلم الله أننا لا نريد أن نعود إلى الكفر أبدا ، بعد أن ذقنا حقيقة الإيمان وحلاوته .
فمُحالٌ من لطفه أن يشاء عَودَنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصةً حسبما ينطِق به قوله تعالى : { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } أي في أن يثبتَنا على ما نحن عليه من الإيمان ويُتمَّ علينا نعمتَه بإنجائنا من الإشراك بالكلية ، ويثبتنا على ذلك حتى نلقاه .
وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ للمبالغة في التضرع والجُؤار .
وقوله تعالى : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } إعراضٌ عن مقاولتهم إثرَ ما ظهر له عليه الصلاة والسلام أنهم من العتو والعِناد بحيث لا يُتصور منهم الإيمانُ أصلاً ، وإقبالٌ على الله تعالى بالدعاء لفصل ما بينه وبينهم بما يليق بحال كلَ من الفريقين أي احكم بيننا بالحق ، والفَتاحَةُ الحكومة ، أو أظهرْ أمرنا حتى ينكشِفَ ما بيننا وبينهم ويتميز المُحقُّ من المبطِل من فتَحَ المُشكلَ إذا بيّنه { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على المعنيين .

الأحد، 28 فبراير 2010

منهج القرآن في التعريف بالله

لقد أفاض سيد قطب – رحمه الله – في كتابه مقومات التصور الإسلامي في بيان منهج القرآن في التعريف بالله، وتحويل هذه المعرفة إلى إيمان حي يدفع للسلوك القويم فكان مما قاله :

" والمنهج القرآني يزحم الشعور الإنساني بحقيقة الألوهية، ويأخذ على النفس أقطارها جميعا بهذه الحقيقة وهو يتحدث عن ذات الله – سبحانه – وصفاته، وآثار قدرته وإبداعه، فتتمثل في الضمير البشري تلك الحقيقة.. حقيقة الذات الخالقة لكل شيء، المالكة لكل شيء، المحيطة بكل شيء، المهيمنة على كل شيء، المدبرة لكل شيء، المؤثرة في كل شيء، وتشغل مشاعر الإنسان وحسه، وضميره وعقله وكيانه كله بهذه الحقيقة وخصائصها، وقدرتها وقوتها، ورحمتها ورعايتها، وجلالها ومهابتها، وأنسها وقربها، وإحاطتها بالكون والناس في كل وضع وفي كل حال، بحيث تستشعر النفس – كما هو الأمر في الواقع – أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن ليس مهرب منه ولا فوت، وأن ليس سواه عون ولا سند، وأن ليس هناك وجود لشيء – قائم بذاته – إلا ذات الله سبحانه، القوامة على جميع الخلائق الفانية.
وهذا هو الشعور القوي الغامر الحي الذي يخرج به الإنسان من قراءة القرآن الكريم..

منهج فريد :
والمنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية منهج فريد..إنه يوقع على أوتار النفس البشرية جميعها، ويدخل عليها من منافذها كلها، يوقع على أوتار الخوف والحذر والرجاء والطمأنينة، وعلى أوتار المهابة والجلال والأنس والود، وعلى أوتار القهر والجبروت والرأفة والرحمة، وعلى أوتار النقمة والعذاب والنعمة والعطاء، وعلى أوتار المغايرة الكاملة بين الألوهية والعبودية مع الأنس، والقرب بين الله وعباده، ويخاطب وجدان الجمال بما في الكون والنفس من ألوان وأطياف، كما يخاطب وجدان المجهول بالغيب وما وراء الأستار من قدر الله(
[1]).

القرآن وشهادة التوحيد:
"..ولقد جلى القرآن للناس حقيقة الألوهية من خلال آثار فاعليتها المتجلية في الكون والحياة المصرفة لأقدار العباد، وعرض لهم من هذه الآثار في الأنفس والآفاق ما يملأ الكينونة البشرية بالإجلال والحب، وبالخشية والتقوى، وبالرجاء والثقة، وبالأنس والقرب، وبالحذر واليقظة، وبالشعور الدائم بوجود الله – سبحانه – وحضوره، بحيث لا يملك القلب المؤمن أن ينسى، أو أن يغفل عن ذلك الوجود وعن هذا الحضور لحظة في أي وضع وفي أي حال.

وشهادة أن لا إله إلا الله..تتطلب أن يصل الإحساس بوجود الله – سبحانه – ووحدانيته حد اليقين الناشئ من مثل الرؤية والمشاهدة، فهي رؤية ومشاهدة لهذه الحقيقة بآثارها في أغوار النفس المكنونة، وفي صفحات الكون المنشورة..رؤية واضحة ومشاهدة مستيقنة، تقوم عليها شهادة(
[2])".
الدليل الذي يدلنا على الله ويعرفنا به سبحانه هو القرآن . إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ( [الإسراء:9].
فالرغبة والحرص هما مفتاح الإنتفاع بالقرآن، ومفتاح لكل خير..ألم يقل سبحانه: ) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ( [التكوير:27، 28].
[1] مقومات التصور الإسلامي ص (190 - 191) .

[2] مقومات التصور الإسلامي ص (192) .

الأربعاء، 10 فبراير 2010

الشكر



الشكر : تابع الدرس السابع في الدورة الإيمانية .
· الشكر أن تعلم أن النعمة من عند الله .
· والشكر ترك المعاصي .
· لا تقنط ؛ فإن الله يعطي على قدره ويقبل من العباد الشكر على قدرهم .

1 - عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أنعم الله على عبده نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، فيرى فيه آفة دون الموت » .
2 - عن عروة ، عن عائشة ، قالت : دخل النبي فرأى كسرة ملقاة ، فمسحها فقال : « يا عائشة ، أحسني جوار نعم الله ، فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم » .
3 - حدثنا علي بن داود ، ثنا عبد الله بن صالح ، ثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادة ، لأن الله يقول : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) » سورة : إبراهيم آية رقم : 7
4 - حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، ثنا أبو معاوية ، وجعفر بن عون ، عن هشام بن عروة ، عن ابن المنكدر ، قال : كان من دعاء رسول الله : « اللهم أعني على ذكرك ، وشكرك ، وحسن عبادتك »
5 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام ، حدثني صالح المري ، عن أبي عمران الجوني ، عن أبي الجلد ، قال : قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال : أي رب ، كيف لي أن أشكرك ، وإني لا أصل شكرك إلا بنعمتك ؟ قال : فأتاه الوحي : أن يا داود ، أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟ « قال : بلى يا رب ، قال : » فإني أرضى بذلك منك «
6 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المري ، عن أبي عمران الجوني ، عن أبي الجلد ، قال : قرأت في مسألة موسى عليه السلام أنه قال : « يا رب ، كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله ؟ قال : فأتاه الوحي : » أن يا موسى ، الآن شكرتني «
7 - حدثنا عبد العزيز بن بحر ، أنا أبو عقيل ، عن بكر بن عبد الله ، قال : سمعته يقول : « ما قال عبد قط : الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فما جزاء تلك النعمة ؟ جزاؤها أن يقول : الحمد لله ، فحاز أخرى ، ولا تنفد نعم الله عز وجل »
8 - حدثنا محمد بن الصباح ، حدثنا أبو يحيى الباهلي ، قال : قال سليمان التيمي : « إن الله أنعم على العباد على قدره ، وكلفهم الشكر على قدرهم »
9 - حدثنا محمد بن عبد الله المديني ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، سمعت أبا الأشهب ، عن الحسن ، قال : سمع نبي الله رجلا يقول : الحمد لله بالإسلام ، فقال : « إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة »
10 - حدثني محمد بن الفرج الفراء ، حدثنا محمد بن الزبرقان ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، سمعت عبد الملك بن مروان ، يقول : « ما قال عبد كلمة أحب إليه وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول : الحمد لله الذي أنعم علينا ، وهدانا للإسلام »
11 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثني عبد المؤمن بن عبيد الله السدوسي أبو عبيدة ، قال : كان الحسن يقول إذا ابتدأ حديثه : « الحمد لله ، اللهم ربنا لك الحمد كما خلقتنا ، ورزقتنا ، وهديتنا ، وعلمتنا ، وأنقذتنا ، وفرجت عنا ، لك الحمد بالإسلام ، والقرآن ، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة ، كبت عدونا ، وبسطت رزقنا ، وأظهرت أمننا ، وجمعت فرقتنا ، وأحسنت معافاتنا ، ومن كل والله ما سألناك ربنا أعطيتنا ، فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا ، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم وحديث ، أو سرا أو علانية ، أو خاصة أو عامة ، أو حي أو ميت ، أو شاهد أو غائب ، لك الحمد حتى ترضى ، ولك الحمد إذا رضيت »
12 - حدثنا عمر بن إسماعيل الهمداني ، حدثنا محمد بن عبيد ، عن يوسف الصباغ ، عن الحسن ، قال : قال موسى عليه السلام : « يا رب ، كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعته إليه ؟ خلقته بيدك ، ونفخت فيه من روحك ، وأسكنته جنتك ، وأمرت الملائكة فسجدوا له ، فقال : » يا موسى ، علم أن ذلك مني فحمدني ، فكان ذلك شكرا لما صنعته له «
13 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا حبان بن علي العمري ، عن سعد يعني ابن طريف ، عن الأصبع بن نباتة ، قال : كان علي إذا دخل الخلاء قال : بسم الله الحافظ المؤدي ، وإذا خرج مسح بيديه بطنه ثم قال : يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها
14 - حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن صالح ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن سعد بن مسعود الثقفي ، قال : « إنما سمي نوح عليه السلام عبدا شكورا ؛ لأنه لم يلبس جديدا ، ولم يأكل طعاما إلا حمد »
15 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي ، وأزهر بن مروان الرقاشي ، قالا : حدثنا بشر بن منصور ، وأزهر السليمي ، عن زهير بن محمد ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ، فانطلق معه ، فلما طعم وغسل يده قال : « الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ، من (1) علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا ، وكل بلاء حسن أبلانا ، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ، ولا مكفور (2) ولا مستغنى عنه ، الحمد لله الذي أطعم من الطعام ، وسقى من الشراب ، وكسى من العري ، وهدى من الضلالة ، وبصر من العمى ، وفضلنا على كثير ممن خلقه تفضيلا ، الحمد لله رب العالمين » .
16 - حدثنا محمد بن إدريس ، حدثنا محمد بن مقاتل المروزي ، حدثنا هاشم بن مخلد المروزي ، عن ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي أنه كان يقول : « اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحول عافيتك ، وجميع سخطك »
التحذير من عدم الشكر :
17 - حدثنا محمد بن إدريس ، حدثنا يزيد بن أبي يزيد الضبعي ، أنا الفضل بن سلمة ، عن المبارك ، عن الحسن ، قال : إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء ، فإذا لم يشكر قلبها عليهم عذابا .
18 - حدثني محمد بن إدريس ، قال : يروى عن علي ، أنه قال لرجل من همدان : « إن النعمة موصًّلة بالشكر ، والشكر معلق بالمزيد ، وهما مقرونان في قرن ، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد » .
19 - حدثني محمد بن إدريس ، قال : سمعت عبدة بن سليمان ، سمعت مخلد بن حسين ، يقول : كان يقال : « الشكر ترك المعاصي » .

20 - حدثنا إسحاق بن حاتم المدائني ، حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا بعض أهل الحجاز ، قال أبو حازم : « كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية ".

نقلا من كتاب ابن أبي الدنيا .